وفي سنة 626ه عهد الملك المسعود بإمارة الحجاز إلى عتيقة صارم الدين ياقوت، فتولاه باسم مولاه، وفي تلك السنة مات الملك المسعود، فاستولى ياقوت على اليمن والحجاز، وتسمى باسم الملك المنصور، وأخذ يوسع سلطانه حتى سيطر على أكثر بقاع الجزيرة، ثم بعد فترة بعث الملك الكامل مولاه طغتكين أميرا على الحجاز، وهكذا خضعت الجزيرة إلى الأيوبيين أو إلى مواليهم على الأصح.
وفي سنة 629ه كان الشريف راجح بن قتادة قد جمع جيشا لاستعادة الحجاز من الأيوبيين، فزحف نحو اليمن، وأغرى نور الدين الرسولي على أن يتعاونا على الاستيلاء على الحجاز، فقبل نور الدين وسارا فطردا طغتكين، وحكم راجح البلاد باسم الدولة الرسولية، وظل حكمه إلى أواخر سنة 630ه.
وفي أوائل سنة 631ه عادت الجيوش الأيوبية من جديد فطردت راجحا، ولكنه لم يلبث طويلا حتى استردها وأقام فيها إلى سنة 637ه، وفي هذه السنة أرسل الملك الصالح الأيوبي صاحب مصر ألف فارس بقيادة الشريف شيحة بن قاسم أمير المدينة لقتال صاحب اليمن، فتلقته الجيوش اليمانية وهزمته.
وفي سنة 639ه أرسل صاحب مصر جندا كثيرا للاستيلاء على مكة، فلما بلغت أخبارهم إلى صاحب اليمن خرج للقائهم، والتقى الجمعان، فهرب المصريون بعد أن أحرقوا دار السلطنة بمكة، ودخل صاحب اليمن إلى مكة، فأبطل كثيرا من المكوس والظلامات، وعزل الشريف راجحا، وولى الشريف أبا سعد الحسن بن علي بن قتادة، فذهب راجح إلى المدينة، واستنجد بأخواله فبعثوا معه جماعة، والتقى الجمعان، ففاز جمع أبي سعد، وكان على رأسهم الشريف أبو نمي، ودخل أبو نمي مكة، وأقام أبو سعد في ولاية الحجاز إلى سنة 651ه، وفي أوائل هذه السنة بعث الخليفة الناصر جيشا لاستخلاص الحجاز بقيادة الشريف جماز بن الحسن بن قتادة من دمشق، فدخل الجيش مكة واستولى عليها وقتل أبا سعد، ولكنه لم يلبث أن نقض عهده مع الخليفة الناصر ، وخطب للملك المظفر ابن الملك المنصور الرسولي، واستمر ذلك إلى موسم الحج حين قدم عليه عمه راجح مقاتلا، فاستولى على مكة وطرد جمازا، وظل أميرا على البلاد إلى سنة 652ه حين ثار عليه ابنه غانم وطرده، وظل غانم أميرا إلى شوال من السنة نفسها، حين ثار عليه الشريفان أبو نمي وإدريس بن علي بن قتادة، واشتد القتال بين الثلاثة، وبينا كانوا جميعا مشتبكين إذا هم بالملك المظفر الرسولي يبعث جيشا بقيادة المبارزين علي بن برطاس لنجدة غانم، ولكن أبا نمي وإدريس تغلبا عليه وطرداه، ولم يستطع أحد من المسلمين القيام بفريضة الحج هذه السنة.
وفي سنة 654ه اختلف أبو نمي وإدريس، ثم تصالحا، واستمر هذا الصلح إلى سنة 657ه، حين عادا من جديد إلى الاختلاف، وطرد أبو نمي عمه إدريس، وخطب لصاحب مصر السلطان بيبرس، وحج بيبرس هذه السنة فعظمه أبو نمي كثيرا، ورأى السلطان أن يصلح بين العم وابن أخيه فتم ذلك، وعادت السكينة إلى الديار المقدسة، ولكن إدريس أخذ ينفرد بإدارة البلاد فسكت أبو نمي على مضض إلى أن جمع جموعا كثيرة قاتل بها إدريس، وعادت الفتنة من جديد جذعة، ولم تنته إلا بعد قتل إدريس في فجر سنة 669ه، ولما قتل إدريس لجأ ابنه غانم إلى الشريف جماز في المدينة فأنجده بجماعة ذهب بهم لقتال أبي نمي، ولكن هذا فرق تلك الجموع.
وفي سنة 683ه، وأثناء الموسم، وقعت فتنة جديدة بين أبي نمي وأولاد أخيه، وكان مع هؤلاء جند من اليمن فطردهم أبو نمي، ثم قدم الحاج المصري ومعه ثلاثة آلاف فارس لمقاتلة أبي نمي، فتحصن بالمدينة وأغلق أسوار مكة عليه، فأحرق المصريون السور ودخلوا المدينة، فنادى منادي أبي نمي: «من قتل من المصريين أحدا فله سلبه وفرسه»، ففتك جنده بالمصريين، وأخذوا خيلهم وسلاحهم، واستطاع نفر من الجند أن يرجعوا إلى مصر، ويخبروا السلطان بما جرى، فعزم على أن يرسل جيشا كبيرا لقتال أهل الحجاز، ولكن أهل الرأي والدين أشاروا عليه بأن يتلافى الأمر، ويقبل بإمارة أبي نمي على الحجاز حقنا للدماء وإجلالا لتلك الديار المقدسة، فقبل وبعث إليه بألقاب الإمارة.