2
على الحدود الإيرانية، الأمير حسام الدين، قد ذهب إلى هولاكو، وعرض عليه ولاءه، فأعاده إلى مقاطعته، وولاه إياها مع أعمال أخرى، ولما عزم هولاكو الزحف على بغداد تهيب الأمر، ولكنه صمم على ذلك وتوجه إليها، كما بعث إلى قادة الجيوش التي كان بعث بها إلى بلاد الروم أن تغير وجهتها وتسير إلى بلاد الموصل وتحاصرها في الوقت الذي يكون فيه قد حاصر بغداد، وحدد لهم مواعد يلتقون معه فيها حول بغداد، ثم بعث إلى بعض الفرق المرابطة في إيران أن تسير إليه أيضا حتى تجعل بغداد محاطة ب «كماشة» من ميمنتها ومن ميسرتها، وكان ذلك في أواخر المحرم سنة 655ه، ثم إنه سار نحو العراق فدخله من طريق قرميسين (كرمنشاه) في جمهرة كبيرة من القواد والعلماء والأفاضل، وفيهم نصير الدين الطوسي العالم الشهير، والصاحب عطا ملك الجوني العالم الكاتب المعروف.
ولما وصل إلى حدود «حلوان» علم أن الجيوش العباسية قد خرجت للقائه في «بعقوبا»، و«باجسرى» بقيادة الأمير مجاهد الدين أيبك الدواتدار، والأمير فتح الدين بن كر، والأمير قراسنقر القبجاقي، ولما التقى الجيشان حمل المغول حملة صادقة، فتفرق الجند العباسي، وقتل قراسنقر وفتح الدين، وتفرقت الجنود، وهلك قسم كبير منهم غرقا في دجلة، أما ابن الدواتدار فإنه استطاع الرجوع إلى بغداد منهزما ، وأحاط المغول ببغداد في منتصف المحرم سنة 656ه/1258م، وأخذوا يضربونها بالمجانيق حتى ضاق الناس ذرعا بالحصار واشتدت الحالة، وخاف القائد ابن الدواتدار مغبة الأمر فحاول الفرار من دجلة، ولكن المغول أخذوا يقذفونه بقوارير النفط الملتهب حتى اضطروه إلى العودة فعاد إلى بغداد، وأحس الخليفة بسوء العاقبة، فبعث في أواخر المحرم من تلك السنة بابنه الأمير أبي الفضل عبد الرحمن ومعه الوزير، وجمع من عظماء المدينة مع هدايا كثيرة إلى هولاكو، ولكن هذا رفض استقبالهم، وطلب إليهم أن يبعثوا إليه بالخليفة نفسه ليفاوضه، وأمر جنده بالكف عن القتال حتى يسمع من الخليفة، ولكن الخليفة لم يذهب وبعث إليه بابن الدواتدار ومعه سليمان شاه بن برجم وهو من كبار القادة فقتلهما هولاكو، وأخذ الرعب يدب في قلوب البغداديين، وسادت الفوضى في المدينة الجميلة، وعزم الخليفة على أن يخرج هو وأولاده الثلاثة أبو الفضل عبد الرحمن، وأبو العباس أحمد، وأبو المناقب المبارك، في عدد كبير من الأمراء العباسيين والعلويين إلى لقاء هولاكو، وعرض الخضوع عليه، فلما وصلوا إليه أحسن استقبالهم أول الأمر وطيب خواطرهم، ثم طلب إليهم أن يبعثوا إلى الخليفة بأن يأمر الجند بإلقاء السلاح والتسليم، فأمرهم بذلك واستسلمت المدينة، فدخل هولاكو وجنده إليها، وتولوا زمام الأمر فيها، ثم إن هولاكو أمر بوضع الخليفة والأمراء والأشراف في مكان خاص محجورا عليهم، ثم شرعت سيول الجنود تنحدر نحو المدينة، ولما ملئوا شوارعها وأسواقها أمرهم هولاكو بالفتك وقتل الناس، وسلب أموالهم، وهدم بيوتهم.
وقد اختلف قول المؤرخين في عدد قتلى أهل بغداد، فروى ابن الغوطي أن عددهم بلغ ثمانمائة ألف نسمة عدا من ألقى نفسه في الأنهار، وعدا من هلك من الأطفال، ومن هلك بالقنوات والآبار والسراديب فمات جوعا وخوفا.
3
وروى الجلال السيوطي أنهم بلغوا ألف ألف نسمة، وقال آخر: بل إنهم قاربوا ثلاثة آلاف ألف،
4
ولم يسلم أحد من الناس إلا من كان مختبئا في الآبار والقنوات والسراديب، وإلا من كان لاجئا إلى إحدى الدور الثلاث التي قال هولاكو: إن من دخلها كان آمنا ، وهي دار مؤيد الدين بن العلقمي الوزير، ودار فخر الدين بن الدامغاني صاحب الديوان، ودار تاج الدين بن الدوامي صاحب الباب. ويظهر أن هؤلاء الثلاثة كانوا متآمرين مع هولاكو على الخليفة، وقد نودي بعد ذلك بالأمان، فخرج المختبئون ووجوههم مصفرة، وحلومهم طائشة، لما شاهدوا من الأهوال والويلات التي يعجز القلم عن وصفها، والفكر عن وعيها.