وفي سنة 988ه عزل بحسن باشا الخادم، وكان سيئ الإدارة انصرف إلى جمع الأموال وقبول الرشى، ولما عزل من القاهرة فرح الناس بذلك، وتولى مصر بعده إبراهيم باشا، وكان رجلا عادلا أقام موظفا خاصا في مسجد السلطان فرج بن برقوق لاستماع شكاوى المظلومين من الباشا السابق، فاطلع على مظالم فظيعة لا تحصى، وكتب بذلك إلى السلطان فأمر بخنق حسن باشا، وأخذ إبراهيم باشا يطوف في أرجاء القطر ويتفقد أحوال الناس إلى أن كانت سنة 992ه فاستقال من منصبه، وتوالت من بعده الباشوات، ولم يكن في أعمالهم شيء يذكر حتى تولى السلطنة محمد الثالث بن مراد 1003-1012ه/1594-1603م فبعث إلى مصر قورت باشا، وكان الناس يحبونه لحسن سيرته وكياسته وتنشيطه لأهل العلم والفضل، وخلف آثارا جليلة في «الجامع الأزهر» والمشهد الحسيني، وفي سنة 1006ه تولى مصر خضر باشا، وكان شديدا عنيفا أمر بقطع الجرايات عن العلماء، وحرم حقوق الكثيرين من الجند والانكشارية فثاروا عليه، وعزل فتولى مصر بعده علي باشا السلاصدار، وكان جبارا سفاحا قتل من الأهالي عددا كبيرا، وأصاب البلاد في عهده قحط، وظل في ولايته حتى توفي السلطان محمد وخلفه ابنه أحمد الأول 1012-1026ه/1603-1617م فبعث إلى مصر إبراهيم باشا، وقد أراد منذ وصوله أن يقف أمام طلبات الجند والانكشارية فثاروا عليه، ووقعت في البلاد أثناء ذلك فتنة عظيمة انتهت بقتله وإقامة القاضي مصطفى أفندي واليا، فلما علمت الأستانة بذلك بعثت محمد بك الكرجي الخادم واليا على مصر، فلما وصلها شرع في التفتيش على مثيري الفتنة فقبض على نفر وقتلهم وسكن البلاد، ولم يلبث فترة حتى عزل، وتوالت على مصر بعده عدة باشوات كان الواحد منهم لا يبقى في الولاية إلا شهرا، وكانت البلاد لا تكاد تخلو كل سنة من فتنة أو ثورة يقوم بها «الانكشارية» أو الجنود أو بعض المتغلبين، إلى أن تولى مصر في سنة 1016ه الوزير محمد باشا، وكان شريفا حازما، فشرع منذ وصوله إلى مصر في تثبيت دعائم الحكم وإنصاف الرعية، وفي سنة 1017ه ثار عليه الجنود والانكشارية؛ لأنه لم يوافقهم على إبقاء الضرائب الجائرة فأعلنوا عصيانهم، وولوا على البلاد واليا منهم، ونادوا به سلطانا، وساروا إلى الدلتا يعيثون فيها فسادا، وسار إليهم محمد باشا في جمع من الجند، والتقى الطرفان، واستطاع الباشا أن يقضي عليهم فاستسلموا، ولما استتب الأمر قتل زعماءهم، وانصرف إلى إصلاح حال البلاد، ومراقبة جباة الضرائب بنفسه، والإشراف على أحوال الأسواق، ففرح الناس به كثيرا، وعادت الطمأنينة إلى النفوس، وكان عهده على قصره عهد يمن وبركة، ولما نقل من ولاية القاهرة تسابق الناس إلى تكريمه وتقديم الهدايا إليه، وخلفه في سنة 1020ه محمد باشا الصوفي وكان كذلك رجلا صالحا حازما، وفي سنة 1022ه جاءه أمر من السلطان يطلب ألف جندي مصري؛ لينضموا إلى الجيش العثماني الذاهب إلى إيران فبعث بهم.
ثم توالت الولاة على مصر بعده خلال سنوات عشر، وكان الوالي لا يلبث أكثر من أشهر قليلة، والسر في ذلك أن كرسي الخلافة قد تقلب عليه في هذه الفترة ثلاثة خلفاء هم: مصطفى الأول وعثمان الثاني ثم مصطفى الأول ثانية، إلى أن كانت سنة 1022ه/1623م فتولى السلطنة مراد الرابع، وبعث إلى مصر علي باشا، وقبل وصوله إليها اجتمع الجنود، وساروا إلى القائمقام عيسى بك يطلبون إليه عطاءهم الذين يعطونه بمناسبة تعيين الولاة الجدد فانتهرهم القائمقام وقال لهم: أفي كل ثلاثة أشهر تجددون هذه الطلبات، فقالوا: وما المانع والسلطان يغير كل ثلاثة أشهر واليا؟! وإذا أراد أن يولي كل يوم واليا فنحن نطلب عطاءنا، فحاول القائمقام صرفهم ولم ينجح، فقالوا له: إننا نصر على طلبنا إلا إذا بقي الوالي السابق مصطفى باشا، وكان الوالي الجديد قد وصل الإسكندرية فبعثوا إليه يبلغونه قرارهم، وأنهم لا يقبلونه إلا إذا دفع إليهم عطاءهم، فكتب إليهم الوالي يسترضيهم فلم يقبلوا، فثار عليهم وقبض على وفدهم وسجنهم في قلعة الإسكندرية، وعلم الجند في القاهرة بذلك فأعلنوا الثورة واضطروه على مغادرة الإسكندرية، وأنزلوه في قارب وأخرجوه من الميناء، ولما صار في عرض البحر أطلقوا عليه المدافع فغادر البلاد، وبعد فترة وصلت رسالة من السلطان بتثبيت مصطفى باشا في الولاية، وفي هذه الفترة أصيبت البلاد بوباء هلك به خلق كثير، قيل: إن عددهم بلغ ثلاثمائة ألف نسمة، وكان مصطفى باشا ينصب نفسه وريثا شرعيا على أموال الأغنياء من الموتى حتى ضاق الناس به، فاشتكوا إلى الباب العالي فعزله، وأرسل بيرام باشا ليحاكم مصطفى باشا على أعماله، وفي سنة 1036ه قدم بيرام باشا ليحاكم مصطفى باشا وحكم عليه باستصفاء أمواله وإعادة المسروقات إلى أصحابها، وحكم عليه بالموت، ولما استقرت الأمور لبيرام باشا شرع في زيارة الأقاليم والمديريات ومراقبة أحوالها ونشر العدل بين أهلها، وتعميم التعليم، وتنشيط التجارة، وإقامة المشروعات العامة المفيدة، وتنظيم الضرائب، ثم عزل محمد باشا في سنة 1039ه وكان هذا محبا للخير والعدل فحمد الناس سيرته، وفي سنة 1040ه استدعي من القاهرة، وسمي موسى باشا مكانه، فأساء السيرة، وأفسد أحوال البلاد، ولقي منه الناس شرورا، وطلبوا من السلطان أن يبعده عنهم، فاستبدله في سنة 1041ه بخليل باشا، وأخذت الولاة تترى على مصر، والنكبات والمظالم تتوالى عليها حتى تسلطن إبراهيم بن أحمد خان 1049-1059ه/1640-1648م فتفاءل الناس بالخير لما اشتهر عنه، ولكن شيئا من ذلك لم يحصل؛ فقد كانت ولاته على نمط ولاة سابقيه من السلاطين عسفا وتعديا، وزاد الطين بلة كثرة الأوبئة والطواعين التي لم يخل منها تاريخ مصر في تلك الآونة، وكان من أعظم تلك الطواعين طاعون سنتي 1052 و1053ه فقد هلك فيهما آلاف مؤلفة حتى دفن الناس موتاهم بدون صلاة، ويقال: إن نحوا من 230 قرية وبليدة خربت في ذلك الطاعون، كل هذا والولاة ساهون منصرفون إلى جمع الأموال واختلاسها، ويظهر أن الوالي مقصود باشا الذي تولى في سنة 1053ه قد حاول إصلاح الأمور، ولكنه عزل في سنة 1054ه، وتردد على مصر نفر من الولاة أكثرهم ظالم مخرب أو جماع أموال، حتى صار الوالي التركي لا هم له إلا اكتساب المال عن أي طريق كان، وتسليم النفوذ إلى البكوات المماليك، وذلك طوال عهد محمد الرابع 1059-1099ه/1648-1687م وعهد سليمان الثاني وأحمد الثاني ومصطفى الثاني 1099-1115ه/1687-1703م وعهد أحمد الثالث 1115-1143ه/1703-1730م.