تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 1119ه تولى مصر حسن باشا، فلما دخلها كان شيخ البلد قاسم عوض «عيواظ» بك فأحسن استقباله، وقدم له من الهدايا ما جعله يركن إليه، ويتركه يتصرف في البلد تصرف المالك، وعظم نفوذه، والوالي لا هم له إلا جمع المال وقبول الهدايا والرشى، وفي زمنه وقعت الفتنة بين مماليكه المعروفين بالقاسمية والمماليك الفقارية التابعين لذي الفقار بك أحد كبار المماليك، فتضاربوا وأفسدوا البلاد وعم البلاء، وانتشر الغلاء فترة طويلة إلى أن مات قاسم عوض، وتولى مشيخة البلد مكانه ابنه إسماعيل، فأحسن التصرف بعض الشيء، واتفق مع المماليك الفقارية ضد الباشا التركي، وضد الباشوات الذين تعاقبوا على مصر إلى أن قتل في سنة 1136ه فتولى المشيخة بعده شركس بك، ولم يلبث أن قتل فتولاها ذو الفقار بك إلى سنة 1142ه وأصاب مصر في تلك الفترة طاعون أتى على كثير من سكانها، وفي سنة 1143ه/1730م تولى السلطنة محمود الأول، وتوالت ولاته على مصر إلى سنة 1168ه/1754م، ولم يكن هؤلاء أحسن حالا من أسلافهم، وظلت السلطة الحقيقية في مصر بيد مشايخ البلد من المماليك، وفي هذه الآونة نبغ في مصر من البكوات المماليك فتى كان له أثر كبير في تاريخ مصر، واسمه علي بك الكبير.

نشأ علي بك الكبير في كنف أحد مشايخ البلد إبراهيم كتخدا، وكان فتى شجاعا فيه كثير من مزايا الزعماء والقادة، وحدث في سنة 1165ه أن قدم إلى مصر واليا راغب محمد باشا وكان رجلا فاضلا خيرا، سار بالناس سيرة حسنة فأحبوه، ويظهر أن الباب العالي قد أحس بخطر مشايخ البلد والبكوات، فأراد التخلص منهم وكتب إلى الوالي بذلك، وقد تردد الوالي في أمرهم، ثم قرر قتلهم، فاستدعاهم وطلب إلى رجاله أن يفتكوا بهم بعد أن يستقروا عنده، ففعلوا وقتلوهم جميعهم إلا إبراهيم كتخدا، فعمد إلى إثارة الفتن في القاهرة وسائر البلاد، واختصم هو وإبراهيم بك الشركسي، فقتله الشركسي، وعظم ذلك على مولاه علي بك، فأخذ يعمل للانتقام لمولاه، وشرع في شراء المماليك وتدريبهم على القتال، ويظهر أن بعض البكوات واسمه حسين كش كش بك قد شعر بما يهيئ علي بك فناصبه العداء، واضطر علي بك أن يفر بطائفة من مماليكه إلى الصعيد، فلما استقر هناك أخذ ينظم أمره حتى اجتمع لديه جمع كبير، فزحف على القاهرة، وطرد حسين كش كش بك، وحاول أن يفتك بشيخ البلد خليل ففر هذا إلى طنطا، فبعث إليه علي بك كاشفه محمد بك أبا الذهب، واستطاع أن يقبض عليه وينفيه إلى الإسكندرية، وهكذا قوي نفوذ علي بك ابتداء من سنة 1177ه فتسلم مشيخة البلد، وقتل إبراهيم الشركسي انتقاما لسيده إبراهيم كتخدا، ولكن مماليك الشركسي غضبوا له، وحاولوا الانتقام لمولاهم، فاضطر علي بك أن ينجو بنفسه، ويفر إلى عكا لاجئا إلى أميرها الشيخ ظاهر العمر، فأكرم هذا وفادته، وسعى في إعادته إلى القاهرة ظافرا قويا إلى أن كانت سنة 1180ه فثار بعض أعراب الصعيد، وبعث إليهم مملوكه أحمد بك على رأس حملة قوية فقتل من الأعراب مقتلة عظيمة حتى لقب بالجزار، وهو الذي تولى عكا فيما بعد، وعرف بأحمد باشا الجزار، ثم انصرف علي بك إلى تنظيم أموره في سائر القطر فأحسن تدبيره، ونمى تجارته وزراعته، ورأى فساد حال الموظفين الذين كانت الدولة العثمانية تبعث بهم فعزل أكثرهم، وأقصى كثيرا من العساكر العثمانية عن مراكزهم، ووضع محلهم جماعة من مماليكه، وحظر على البكوات والكشاف أن يقتني أحدهم أكثر من مملوك واحد أو اثنين.

وفي سنة 1182ه أعلنت الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا، فبعثت الدولة العثمانية إلى علي تستمده، فأخذ يجمع الجند ويرسلهم إلى الأستانة حتى نفى من البلد أكثر من كان يخشى مناوأتهم، فلما تم له ذلك أعلن عصيانه بمصر، وكتب إلى الوالي التركي ينذره بلزوم مغادرة مصر في مدى يومين وإلا قتله وأن مصر أضحت بلدا مستقلا، وكتب بذلك إلى حليفه الشيخ ظاهر العمر أمير عكا ففرح به وآزره وكتب إليه يهنئه، فلما بلغت هذه الأخبار مسامع الخليفة في الأستانة كتب إلى واليه في دمشق أن يزحف نحوه فسار في خمسة وعشرين ألف مقاتل، حتى إذا بلغ بلاد عكا تلقاه ظاهر العمر ورده شر ردة، ثم انشغلت الدولة العثمانية بحربها مع روسيا ، فشرع علي بك ينظم أموره، ويوطد أركان دولته، ويصلح شئونها، ويرعى زراعتها وتجارتها، وفي سنة 1183ه ثار عليه الشيخ هامان زعيم قبائل الهوارة في الصعيد، فبعث إليه محمد بك أبا الذهب ففرق جموعه، ثم شرع في الزحف على اليمن حتى استولى عليه وعلى سواحل البحر الأحمر، وتوغلت جنوده في أرض جزيرة العرب فاستولى عليها، وخطب له في مكة وضربت النقود باسمه، وأراد الاستيلاء على الشام فأخذ يستعد له، وسعى في عقد محالفات مع البلاد التي تضمر عداء للعثمانيين كملك البندقية وملكة روسيا، ثم سير جيوشه إلى الشام بقيادة أبي الذهب ومعاونة ظاهر العمر فحاصرت دمشق ودخلتها، وأخذت دولة الأستانة تعمل بدسائسها ففرقت بينه وبين أبي الذهب، وأراد أبو الذهب الاستيلاء على مصر وطرد علي بك، فقفل راجعا إلى مصر فاستولى على أسيوط في سنة 1185ه، وسار نحو القاهرة فاستولى عليها، واضطر علي بك إلى الفرار منها إلى عكا ومعه كنوزه وأمواله، فلما وصلها زوده الشيخ ظاهر العمر بجيش عليه علي بك الطنطاوي؛ لاسترجاع ما استولى عليه أبو الذهب، والتقى الجيشان في محرم سنة 1187ه وخذل علي بك جنوده بانضمام قسم كبير منهم إلى أبي الذهب، وقتل عدد كبير من رجالات علي بك، وقاتل هو نفسه قتال المستميت على الرغم من مرضه، ثم جرح وسيق أسيرا إلى أبي الذهب، فأمر بسجنه في القاهرة حيث مات، وحزن الناس عليه لحسن سيرته وبطولته، ولكثرة آثاره الحميدة في القاهرة وطنطا، ومن أجلها مسجده العظيم وقبته على مقام السيد أحمد البدوي مع المضبأة الكبيرة والمنارتان الشامختان والسبيل، وقبته على ضريح الإمام الشافعي، والحق أن خسارة مصر بموته كانت جليلة؛ فقد اضطرت إلى الخضوع من جديد للدولة العثمانية، واستسلم أبو الذهب للوالي الذي بعثت به الأستانة، وعاد من جديد نفوذ الإقطاعيين من البكوات المماليك، ورجعت الفوضى إلى البلاد، وأضحى منصب شيخ البلد بيد المماليك البكوات يتصرفون فيه بما يشاءون ولا هم لهم إلا جمع الأموال وتقديم الرشى للوالي التركي، وعم الفساد إلى أن كانت سنة 1200ه فضاق السلطان عبد الحميد بما عليه حالة مصر، وأرسل عمارة بحرية لتأديب البكوات والمشايخ ففر كثير منهم إلى الصعيد، ولكنهم لم يلبثوا أن رجعوا إلى القاهرة بعد سفر العمارة البحرية، وقد لمع في هذه الفترة نجم مملوكين لقيت مصر منهما ضررا بالغا وهما مراد بك وإبراهيم بك، فظلا يفسدان فيها ويختلسان الأموال إلى أن استولى نابليون بونابرت عليها سنة 1213ه/1798م.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٤٧