تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان لهولاكو عيون يراقبون وضع الدولة العربية في البلاد ويقدمون إليه الرسائل والتقارير، فيحيط علما بكل دقيقة وجليلة، كما أنه كان من المعقول جدا أن يكون بعض الأمراء والحكام يأتمرون بأمره، وينفذون خططه، كما كان نفر منهم يأتمر بأمره وهو في الظاهر يعمل باسم الخليفة أو وزيره، ولعل أكبر دواعي تمكن المغول في البلاد العراقية بهذه السرعة العجيبة أن الترك المنبثين في كافة الأقطار كانوا يعملون للقضاء على السلطان العباسي، وتوطيد ملك المغول. •••

ذكر جمهور المؤرخين أن المغول قد ظهر أمرهم في أوائل القرن السابع للهجرة حينما استولوا بقيادة زعيمهم «جنكيز خان» على بخارى، وسمرقند، وبلخ، وفتكوا بأهلها المسلمين شر فتك، وكان ذلك في سنة 616-617ه، وقد فعلوا بالأهلين أفاعيل فظيعة من حرق مدنهم، وبقر بطونهم، وهتك أعراض نسائهم، والتمثيل بأطفالهم وشيوخهم، ثم انساحوا إلى إيران فتملكوها بعد أن خربوا العواصم والمدن الكبرى كمدينة «الري» و«أصفهان»، وكثير من مدن إقليمي أذربيجان وخراسان، ثم أخذوا يعدون العدة لغزو العراق، ففي سنة 633ه/1236م هاجموا مدينة «إربل»، وساروا إلى «نينوى»، ولكنهم ردوا على أعقابهم، ثم عادوا في السنة التي بعدها فهاجموا مدينة «إربل» ثانية وحاصروها مدة حتى افتدى أهلها أنفسهم بالمال، ثم عادوا إليها ثالثة في سنة 635ه، ففتكوا بالسكان واحتلوا المدينة ثم ساروا حتى بلغوا تخوم بغداد، فخرج إليهم الجند العباسي وعلى رأسه الأميران شرف الدين إقبال الشرابي ومجاهد الدين الدوبدار فهزماهم، ولكنهما خافا من عودتهم؛ فنصبا المنجنيقات على سور بغداد، وفي أواخر هذه السنة عادت جيوش المغول إلى العراق فوصلت «خانقين»، فلقيها الجيش العباسي وحمي الوطيس، ثم دارت الدائرة على الجيش العباسي، ورجعت فلوله إلى العاصمة بعد أن قتل منه مقتلة عظيمة، وغنم المغول غنائم جمة في كل هذه المعارك، وبخاصة معركة «خانقين»، فقد روى المؤرخان «ابن الغوطي» و«ابن العبري» أنهم قد رجعوا بغنائم كبيرة وأسلاب وفيرة، وأن الأهلين لاقوا منهم بلاء عظيما.

1

وقد استمر المغول في هجماتهم هذه نحو خمس عشرة سنة كاملة يغيرون على البلاد في كل سنة فيفتكون بالأهلين، ويبثون العيون، ويثيرون الذعر، ويعملون على الفت في عضد الدولة، وتخويف أهلها، وإيجاد الشغب بين الناس، ويرجعون بالغنائم والأسلاب، إلى أن تولى أمرهم «مفكوقان» أخو «هولاكوقان» في سنة 648ه/1251م وكان ذا آمال كبيرة، وطموح عظيم، فعزم على القضاء على الخلافة العباسية، والاستيلاء على ممتلكاتها، وأخذ يرتب أموره ترتيبا قويا، وينظم جنده تنظيما عسكريا، ويعمل على تأسيس دولة كبرى بالمعنى الصحيح بعد أن كان الأمراء المغول قبله يسيرون سيرة رؤساء العشائر، وقد تفرس في أخيه «هولاكوقان» أنه يستطيع مساعدته في تدويل قبائله، ونشر سلطانها على العالم، وهكذا كان؛ ففي سنة 651ه/1523م بعث بأخيه هولاكو لفتح إيران والعراق وبلاد الروم، فدخل إيران، وخرب قلعة آلوت حصن الإسماعليين، وقضى على آخر ملوكهم، والمؤرخون يذكرون أنه بينما كان يحارب الإسماعليين بعث رسولا إلى الخليفة يطلب إليه أن يساعده على الإسماعليين، وقد أراد الخليفة إنفاذ جيش لمعونته، ولكن رجال الدولة حالوا دون ذلك، فغضب هولاكو غضبا شديدا، وقال: ما لهذا يدعي أنه خليفة المسلمين ولا يتقدم لحماية عقيدة الإسلام من هؤلاء الملاحدة؟! وعزم منذ ذلك الحين على الفتك بالخليفة، ولما تم له القضاء على الإسماعيليين سار بقواه إلى بغداد في أوائل عام 655ه/1257م، وكان قد أرسل إلى الخليفة المستعصم بالله قبل زحفه على بغداد رسالة يتوعده فيها، ويهدده ويستنكر عدم مناصرته وتسيير جيوشه لمعونته في حرب الملاحدة أعداء الإسلام، فلما وصلت الرسالة إلى الخليفة اضطرب وجمع رجاله، وأخذ يشاورهم فيما يفعل، فاختلف أمرهم، والخليفة متحير لعلمه بفساد بطانته واختلال جنده وتفرق قادته، وعلمه بأن أكثرهم منطو على الغدر والخيانة، وقد تأكدت ظنونه هذه لما بلغه أن حاكم مقاطعة «درتنك»

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٣