تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم تكن حال الشعب أفضل من حال الخليفة ورجالات قصره، فقد كان عامة الناس على جانب عظيم من التفسخ الخلقي والفساد الاجتماعي؛ لأن العناصر الدخيلة قد دخلت بينهم وأعملت فسادا وتمزيقا، حتى انقسموا على أنفسهم شيعا، كل شيعة تناصر إحدى الدول الأجنبية المجاورة أو الأحزاب والفرق الداخلية المتناصرة، حتى فقدت العصبية العربية تماما، وكان لدسائس الفرس والترك أثر كبير في هذا التفرق والفساد، وبخاصة ملاحدة الباطنيين، وأتابكة الترك، ومفسدي المغول والتركمان، أضف إلى هذا انتشار طائفة من المفاسد والأمراض الاجتماعية التي ما دخلت أمة إلا أهلكتها، وسلبت عنها عزتها وكرامتها القومية من الخلاعة البالغة، والشرف العجيب، واستيلاء الخصيان والمماليك والجواري على زمام الأمور، هذا إلى طائفة من الأمراض والأوبئة المادية التي استوطنت العراق كالحميات والطواعين والأوبئة، التي لا يكاد العراق يخلو منها في كل سنة من سني القرون الأخيرة.

وإذا كانت هذه حال العراق - وهو مهد الخلافة العباسية ومحط رجال العالم الإسلامي - فكيف تكون حالة سائر ممالك الخلافة التابعة لها، والحق أنها كانت في حالة مزعجة، سواء من حيث من التفكك أو الجهل أو الفساد أو الاضطراب على سنراه فيما بعده.

ولقد بلغت هذه الأمور مسامع عظيم التتار «مفكو» أخي هولاكو، فتاقت نفسه إلى السيطرة على القطر العراقي وما إليه، وعزم على أن يبعث بجيش كبير يحتل هذه الديار بعد أن احتل فارس وفتك بأهلها أشد الفتك، وهكذا كان، فقد أرسل أخاه هولاكو في سنة 655ه إلى البلاد العراقية، بعد أن استولى على فارس كلها كما سنفصله.

ولما أن تم السلطان لهؤلاء التتار على العراق، وقضوا على الدولة العباسية، أخذت النكبات تترى على العالم العربي ودوله واحدة تلو الأخرى، ولم تعرف البلاد طعم الحرية والعزة القومية خلال سبعة قرون ذاقت فيها كئوس الذل ألوانا وأشكالا، وحكم فيها المغولي والتركماني والتركي والفارسي حكما أمات الروح العربية، وحاول أن يقضي على كل ما فيها من كرامة قومية، ولولا نفحات كانت تهب في الفينة بين الفينة فتبعث بعض العزة والكرامة العربيتين الأصيلتين من شعر شاعر مكلوم، أو نفثة أديب مصدور، أو خطبة خطيب متألم، لانمحت روح العروبة، ودرست آثارها - لا قدر الله.

إن في النهضة العربية التي نراها اليوم بين صفوف الشعوب العربية من مراكش إلى العراق لبشارة طيبة تؤكد أن الله سبحانه قد أذن لهذه الأمة الكريمة أن تستعيد مجدها، وتعمل في سبيل عزها وكرامتها، حقق الله ذلك، وسلك بنا مسالك الخير والفلاح، والوحدة والسداد.

الفصل الأول

| العراق في القرن السابع للهجرة

اضطربت الحالة العامة في العراق اضطرابا شديدا منذ فجر القرن السابق، واستمر هذا الاضطراب إلى هذا القرن، ففي القرن الماضي كان الأمر كله بيد الأعاجم من الفرس والأتابكة والترك، ولكنهم كانوا على شيء من معرفة الإدارة والاطلاع على السياسة وخشية الجانب العربي، أما في هذا القرن فقد ساءت حالة أولي الأمر، وبخاصة الخلفاء، إلى درجة أصبح معها من المستحيل بقاء الحكم في أيديهم ولو اسميا؛ لأنهم استسلموا للمماليك والخصيان والجواري الذين سيطروا على قصورهم، وتحكموا فيهم كل تحكم، حتى أصبح الخليفة ووزيره ورجال قصره كالدمى يتلاعب بها المستبدون من الأعاجم. وإن من البديهي أن يكون الخلفاء العباسيون قد أحسوا بالخطر الذي سيجلبه عليهم تسلط الفرس على أمور الدولة؛ ولذلك حاولوا التخلص منهم فجاءوا بالترك وسلطوهم عليهم، وكان هذا بلاء جديدا ومرضا أفتك من المرض الأول دخل جسم الأمة العربية؛ لأن الفرس كانوا قوما ذوي حضارة قديمة وعلم موروث، فلما توطدت أركانهم في الدولة العربية نشروا علمهم، وبعثوا حضارتهم، أما الترك فقوم لم يعرفوا بحضارة، ولا روي عنهم علم موروث، فلما استولوا على زمام أمر الدولة العربية سيطر عليها الجهل، وعمت الفوضى، وفشا الفساد، وأصبح من الطبيعي أن تصل الدولة العربية إلى حالة مزعجة من الفساد.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٢