تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانتهى أمر العراق إلى أن استولى عليه مراد بيك في سنة 904ه/1498م، وأخذت نيران الفتن والاضطرابات تشتعل في العراق لسوء إدارة القائمين بالأمر، فرأى الشاه إسماعيل الصفوي أن الفرصة سانحة له، فجمع جموعه وسار إلى العراق في سنة 907ه/1501م، فلاقى جماعة ألوند بيك في بلاد النخجوان، ففرق شملهم ثم استولى على بلاد أذربيجان، وفرح الناس بمقدمه لتخليصهم من ظلم البايندرية، ثم سار نحو العراق في سنة 914ه/1508م للقضاء على مراد بيك وجماعته، وفر مراد بيك إلى ديار بكر، وكان ببغداد وال يسمى باريك بيك، فلما سمع بزحف قوة الشاه إسماعيل عليه بعث إليه يسترضيه بالهدايا، وعرض عليه خضوعه في الظاهر، وأخذ يستعد للقائه في الباطن فمتن قلاعه، وحصن عاصمته، وجمع الذخائر والميرة وفرض على الأهلين ضرائب باهظة، وحصر الأقوات كلها تحت تصرفه ليقوى على تحمل الحصار، وألقى القبض على نقيب الأشراف السيد محمد بن كمونة الذي كان هواه مع الشاه الصفوي فسجنه، وبينما هو كذلك إذ بلغه أن الشاه إسماعيل قد بعث في مقدمة جيشه فرقة على رأسها حسين بك لاله، وكان مشهورا ببطشه، فلما سمع باريك بيك اضطرب أشد الاضطراب وخاف مغبة الأمر؛ فجمع ذخائره ونفائسه وأهله، وفر إلى بلاد الشام، ودخل حلب لاجئا إلى صاحبها، أما أهل بغداد فإنهم لما عرفوا بهروبه أطلقوا النقيب ابن كمونة من سجنه، وسلموا إليه مقاليد أمورهم، ولما وصلت طلائع الجيش الصفوي الإيراني خرج ابن كمونة لاستقباله ومعه وجوه المدينة مرحبين.

وكان أول عمل قام به الشاه في بغداد زيارته مراقد آل البيت وترتيبه لشئون المدينة وتسميته الأمير خادم بيك أميرا على المدينة بعد أن لقبه بلقب «خليفة الخلفاء»، وأوصاه برعاية أهل الخير، ثم رجع الشاه إلى الجنوب، فحارب المشعشع وجماعته وفرق جنده واستولى على خوزستان والحويزة، وعمل على محو مذهب المشعشعين، ونشر مذهب الجعفريين والطريقة الصفوية،

1

ويظهر أن الأتراك العثمانيين قد أحسوا بخطر الشاه إسماعيل وقوته، واعتبروا ظهوره منافسة قوية تحول دون امتداد سلطانهم إلى العراق بعد أن كانوا ينتظرون انحلال الدولة البايندرية، ويعملون على تفكيك أوصالها، ولما اعتلى عرشهم السلطان ياوز سليم أحس بقوة الشاه إسماعيل فعزم على أن يفاجئه بالمهاجمة في عقر داره، وأخذ يهيئ للأمر عدته، وعلم الشاه إسماعيل بالأمر فأخذ يهيئ نفسه أيضا للقائه، ولا شك في أن العراق المسكين سيكون ميدان هذا العراك، وهكذا كان، فلاقى العراق ويلات شديدات فترة طويلة من الزمن كما سنرى.

رأينا أن الشاه إسماعيل قد سمى الأمير حازم بيك خليفة الخلفاء، واليا على بغداد، وثبت ابن كمونة من نقابة الأشراف، فأخذ الاثنان يعملان بنشاط على تثبيت أقدام الدولة الصفوية في العراق، وكان السلطان ياوز سليم العثماني يعمل على نشر نفوذه في العراق، فبث عيونه وهيأ نفسه لقتال الصفويين، وكان التقاء الطرفين عام 920ه/1514م في تبريز وفي الموقع المعروف باسم «جالديران»، وكان في الجيش الإيراني الصفوي حاكم بغداد ونقيب أشرافها وعدد من الأعيان، ولم تطل الموقعة حتى تم النصر فيها للعثمانيين وقتل حاكم بغداد والنقيب، وبضعة آلاف من العراقيين، وكانت هذه الكسرة مبدأ تفوق الجيش العثماني، وانتشار فتوحاته في العالم الإسلامي، وكان من نتائج هذه المعركة أن أهل آمد كتبوا إلى السلطان سليم يخبروه أنهم طردوا واليهم الإيراني الصفوي، وأنهم يسلمونه مدينتهم ويرجونه أن يبعث إليهم واليا عثمانيا، فبعث إليهم ببقلو محمد بيك، وجعله أميرا على كل هاتيك الأصقاع، فجاءها وفتح بلاد ماردين والموصل وسنجار حتى بلغ جزيرة ابن عجر،

2

وكان ذلك في عام 921ه، ولما اطمأن السلطان سليم العثماني إلى بسط نفوذه في هاتيك الديار عزم على المسير إلى الشام ومصر لفتحهما، ومحاربة «قانصوه الغوري» سلطانهما المملوكي، الذي بلغه أنه يتآمر عليه مع الشاه إسماعيل الصفوي، فتم له ما أراد وكان ذلك في مطلع عام 922ه كما سنفصله فيما بعد في الفصل الخاص بسورية ومصر.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٢١