تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما تم للسلطان سليم فتح الديار الشامية والمصرية، قويت في نفسه آمال السيطرة على العراق العربي والعراق العجمي، وخصوصا بعد أن أعلن نفسه خليفة للمسلمين، وشرع في الاستعداد للقضاء على الصفويين، وأخذ يبعث الدعاة إلى العراق يطعنون في عقيدة الصفويين، ويهدمون طريقتهم الصوفية، ويقولون إن هذه الطريقة «القزل باشية» ليست سوى طريقة أهل الضلال والمارقين عن الإسلام، حتى أصبحنا نجد على الشاه إسماعيل في كتب معاصريه من الأتراك والشاميين والمصريين حملات جد عنيفة، ونضرب على ذلك مثلا بما ذكره ابن العماد الحنبلي المؤرخ الكبير في كتابه «شذرات الذهب» حيث يقول: «وفي أيامه - أي أيام السلطان سليم العثماني - ظهر إسماعيل شاه، واستولى على سائر ملوك العجم، وملوك خراسان، وأذربيجان، وتبريز، وبغداد، وعراق العجم، وقهر ملوكهم، وقتل عساكرهم بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف، وكان عسكره يسجدون له، ويأتمرون بأمره، وكان يدعي الربوبية، وقتل العلماء وأحرق كتبهم ومصاحفهم، ونبش قبور المشايخ من أهل السنة وأخرج عظامهم وأحرقها، وكان إذا قتل أميرا أباح زوجته وأمواله لشخص آخر، فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همته لقتاله، وعد ذلك من أفضل الجهاد، فالتقى معه بقرب تبريز بعسكر جرار، وكانت وقعة عظيمة فانهزم جيش شاه إسماعيل»،

3

ويقول المؤرخ قطب الدين صاحب: «الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» عن الشاه إسماعيل: «قتل خلقا لا يحصون ... وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبق أحدا من أهل العلم في بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم ... وكلما مر بقبور المشايخ نبشها وأخرج عظامها وأحرقها، وإذا قتل أميرا، أباح زوجته وأمواله لشخص آخر.»

4

فأنت تحس من هذه العبارات أن السلطان سليما قد أحسن نشر الدعاوة ضد الصفويين، وعمل على تنفير الناس منهم، مع أنهم لم يكونوا على الشكل الفظيع الذي وصفهم به ابن العماد والقطب، ولكنها السياسة ما دخلت شيئا إلا أفسدته.

أما الشاه إسماعيل فإنه بعد أن تلقى تلك الصفعة القوية في معركة جالديران رجع إلى بلاده، وأخذ يعد نفسه للانتقام، ولكنه لم يلبث قليلا حتى مات في سنة 930ه/1523م، فخلفه ابنه طهماسب الأول 930-984ه، وكان شجاعا داهية، خلف له أبوه مملكة واسعة فأحسن تصريف أمورها، ووقعت بينه وبين العثمانيين عدة حروب لقي العراق العزيز منها، وبسبب هاتين الأسرتين الحاكمتين، ويلات وضوائق، وخلاصة ذلك أن العراق بعد أن هلك الشاه إسماعيل تسلط عليه أمير من أمراء الأكراد اسمه ذو الفقار، فطرد الأمراء الصفويين واستقل به لنفسه، وكان رجلا داهية شجاعا جوادا فأحبه العراقيون وأذعنوا له، وحين أحس بأن طهماسب الصفوي يريد مبادهته كتب إلى السلطان سليمان بن سليم العثماني يعرض عليه خضوعه، وأنه يضرب الدراهم باسمه، ويخطب له على المنابر، فلما بلغت هذه الأخبار أسماع الشاه طهماسب جهز جيشا قويا، وأم العراق في سنة 936ه وحاصر بغداد، وكانت مقاومة ذي الفقار أميرها شديدة، حتى تم له النصر على الجيش الفارسي، ولكن الشاه طهماسب استطاع أن يخدع أخوي ذي الفقار، ويغريهما على الوقوف في وجه أخيهما وقتله فقتلاه، ودخلت الجيوش الفارسية إلى بغداد من جديد بعد أن انقطعت صلتها بهم فترة قصيرة، ولم يخرج طهماسب من العراق حتى أعاد ترتيب إدارة البلاد إلى نظامها الفارسي القديم، وسمى حكاما في كل مقاطعة، وجعل في بغداد الأمير محمد خان تقلو آل شرف الدين واليا، فظل هذا في ولايته إلى أن دخلت جيوش السلطان سليمان القانوني العثماني في سنة 941ه/1534م.

وهكذا قضي على النفوذ الفارسي في العراق، وكان عهد الدولة الصفوية - على الأغلب - عهدا أسود مظلما، تركوا فيه لولاتهم الحبل على الغارب، يفعلون فيه ما يشاءون، ويسخرون الأهلين في سبيل مصالحهم الخاصة ومطامعهم الشخصية، حتى ضاقوا بهم، وتمنوا نصرة العثمانيين عليهم، وأعانوهم على ذلك.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٢٢