تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اضطربت الأحوال العامة في البلاد بعد موته ووقعت الفتن من جديد بين أمراء التركمان، حتى استطاع ابنه الأمير بايسنقر أن يستولي على زمام الأمر، وهدأت الفتن قليلا، ثم عادت إلى الاضطراب ثانية، وصار الأمراء شيعا وأحزابا، واختل حبل الأمن، وثار الأمراء عليه، واضطروه إلى الهرب، وسلطنوا الأمير رستم بيك، وكان ذلك في سنة 897ه، وكان رستم رجلا خيرا، استطاع أن ينظم الأمور ويوطد دعائم المملكة بعد القضاء على خصمه بايسنقر، وقتله في سنة 898ه، ولم يكد يستقر قليلا حتى فوجئ بالسلطان علي بن حيدر الصفوي صاحب بلاد أربيل يهاجمه، ووقعت بين الجانبين معركة قتل فيها السلطان علي وأولاده إلا الشاه إسماعيل الصفوي فإنه استطاع أن يهرب ويلجأ إلى بلاد كيلان عند أميرها الميرزا علي، فكتب هذا إلى السلطان رستم بيك يطلب الأمان له والصفح، ثم استقرت الأمور في بلاد العراقين وفارس لرستم بيك إلا أنه لم يكن ملكا صالحا، فانصرف إلى اللهو والعبث؛ واختل نظام البلاد في عهده، وتحكمت النساء في تصريف أمور الدولة؛ لأنه كان هو وأكثر قادته منصرفين إلى الفساد، حتى ضاق الناس بهم وكاتبوا الأمير أحمد ميرزا بن محمد بن حسن الطويل الذي كان لاجئا إلى السلطان «بايزيد» العثماني أن يجيء إليهم وينقذهم، فجاء على رأس جيش، والتقى الجمعان عند نهر أرس، وقتل رستم بيك في سنة 902ه، واستولى الأمير أحمد ميرزا على زمام السلطنة، وشرع في ترتيب الدولة، ورام أن يجري في هذه البلاد نظام نواب وساسة الملك على ما شاهده في بلاد العثمانيين، فلم يرق ذلك أمراءه المطبوعين على الظلم، وثقل عليهم أمره، فاتفقوا على خلعه، وكاتبوا مراد بيك بن شاه يعقوب، وتآمروا معه على قتل السلطان أحمد ميرزا، فتم لهم ما أرادوا، وقتل أحمد في سنة 903ه ولم تطل مدته إلا نحوا من سنة،

6

والحق أن أحمد كان على سنن صالح، محبا للخير، ساهرا على شئون الرعية، عاملا على نشر العلم والفضيلة والتنظيم على غرار ما شاهده في بلاد الدولة العثمانية الفتية الناشئة، ولكن الأشرار من أمراء دولته الذين طاب لهم أن يستمروا في العبث بحرية الشعب، وابتزاز أمواله قضوا عليه.

وحين قضي على السلطان أحمد ميرزا التفت الأمراء فلم يجدوا من نسل السلطان حسن الطويل مؤسس الدولة البايندرية سوى ثلاثة أطفال هم مراد بن يعقوب، وكان في شروان، وألوند بن يوسف، وكان في أذربيجان، وأخوه محمدي، وكان في يزد، فانقسم الأمراء ثلاثة أقسام كل يريد تنصيب واحد، ولم تنته الحالة إلا حين تغلب جماعة محمدي فسلطنوه، وكان ذلك في سنة 904ه، ولكن لم يمض عليه عهد طويل حتى عادت الفتن بين أنصار ألوند ومراد، واضطربت الأمور وقتل محمدي في سنة 905ه، وانقسم الأمراء قسمين: قسم مع ألوند، وقسم مع مراد، وانتهوا بعدئذ إلى تقسيم البلاد بينهما، فاستقل أنصار ألوند بأذربيجان، واستقل أنصار مراد بالعراق وفارس، وأخذ نجم الدولة يخبو منذ ذلك الحين حتى كانت سنة 914ه، وتغلب الشيخ إسماعيل الصفوي عليهم جميعا كما سنراه في الفصل الآتي.

الفصل الخامس

| العراق من القرن العاشر حتى القرن الثالث عشر

رأيت في آخر الفصل الرابع كيف أن الدولة البايندرية قد اضمحلت في أخريات القرن الماضي، وبخاصة في أيام رستم بيك 898-902ه، روى المؤرخ القرماني أن في أوائل شهور سنة 898ه أطلق السلطان رستم بيك أولاد الشيخ حيدر الصفوي من السجن على شريطة أن يقاتلوا معه خصمه بايسنقر، ولما قضى على بايسنقر تنمر الصفويون لرستم بيك، فحاول أن يفتك بزعيمهم الشيخ علي الصفوي الذي تحصن بأردبيل واتخذها دار ملك له، فبعث رستم بيك إليه من قتله وشرد إخوته، فلجأ أحدهم - واسمه شاه إسماعيل - إلى صاحب بلاد كيلان الميرزا علي، ولما بلغت أخباره إلى رستم بيك بعث إلى الميرزا علي يطلب إليه أن يسلمه الشاه إسماعيل فاعتذر عن ذلك، وضاق السلطان رستم بيك وعزم على أن يتوجه لقتاله بنفسه، ولكنه فوجئ بثورة بعض أمرائه عليه وعلمه بأنهم كاتبوا الأمير أحمد بن محمد حسن الطويل أن يحضر إليهم وينقذهم من ظلم رستم بيك، وكان الأمير أحمد مقيما لدى السلطان «بايزيد» العثماني، وقد حضر الأمير أحمد فعلا على رأس فرقة كبيرة، والتقى الجمعان، ووقع رستم بيك أسيرا بيده فقتله واستولى على البلاد، وكان الأمير أحمد رجلا حازما مصلحا فأراد أن ينقذ البلاد مما كانت عليه من الفوضى وسوء الإدارة، وأن يطبق النظام الذي وجده في المملكة العثمانية الفتية، ولكن الأمراء لم يعجبهم ذلك فثاروا عليه وقتلوه، وانقسموا فيما بينهم على من سيولونه كما بيناه في آخر الفصل الماضي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٢٠