انتظمت أمور هذه الدولة الجديدة بعد القضاء على المغول واستقرار الشيخ حسن الكبير في بغداد وتنصيبه ابنه السلطان أويس حاكما على العراق، ولكن الأمور لم تستتب إلا في سنة 740ه/1339م، فقد استولت الدولة الجلايرية على الحلة وكانت تحت نفوذ الشريف أحمد بن رميثة بن أبي نمي صاحب الحجاز، سلمه إياها السلطان أبو سعيد كما سلمه أمر عرب العراق، فأحسن الشريف أحمد الإدارة فترة من الزمن، ولكنه فوجئ بمجيء الشيخ حسن الجلايري واضطر أن يستسلم إليه، ولكن هذا قتله بعد أن أمنه، وكانت زوجته «دل شاه» بنت دمشق خواجه ملكة العراق، وصاحبة الحل والعقد فيه، وكان أمرها نافذا في الممالك العراقية كلها، وكانت امرأة ذكية تحب فعل الخيرات، وتعطف على أهل العلم والأدب والصلاح، وتعنى بإشادة العمارات، وهي والدة السلاطين: أويس، وقاسم، وزاهد، ودوندي، وقد لعب كل واحد من هؤلاء أدوارا هامة في تاريخ العراق خلال هذه الفترة، وفي عهدهم رجع إلى بغداد بعض رونقها الذي كان لها أيام الدولة العباسية، فقامت العمائر الضخمة وشيدت المدارس الجليلة، وكثر الأدباء والعلماء والشعراء، ومن أشهرهم الخواجة سليمان الساوجي، وكان شاعرا مجيدا بالفارسية والعربية، وقد مدح السلطان أويس واختص به؛ لأنه رباه وعلمه الشعر، وفي ديوان الساوجي هذا كثير من وصف حالة بغداد وأخبار فتوحات السلطان أويس الذي تولى الملك بعد أبيه في رجب سنة 757ه/1356م، وأقام في الملك ثلاث سنوات عمرت فيها البلاد بالمدارس والربط والقصور الفخمة، لولا الطوفان الكبير الذي غرقها في سنة 757ه، وأهلك نحو أربعين ألفا من أهلها.
ومن الأمراء الكبار في هذا العهد الخواجة مرجان بن عبد الله الأولجاني أمير بغداد، وقد كان من أهل الفضل، وقف وقوفا جليلة على أهل العلم، وشاد مدرسة على غرار المدرسة النظامية الكبرى التي بناها الوزير الأعظم السلجوقي نظام الملك، ولا تزال مدرسة مرجان ماثلة إلى يومنا هذا شاهدة بما بلغته في العهد الجلايري من العظمة والرقي، ومن آثار مرجان أيضا دار الشفاء التي شادها لتكون معهدا ومستشفى، كما بنى كثيرا من الخانات والأسواق الضخمة، وقد استمر مرجان هذا في ولايته حتى عصى على السلطان في سنة 765ه، وحاول الاستقلال ببغداد فبعث إليه السلطان من أخضعه فاستسلم وسلم المدينة، ثم عزله السلطان وعهد إلى سلطان شاه بولاية بغداد في سنة 766ه، فدخلها هذا وبعث جنده إلى الموصل فأخضعها، واستمر في بغداد إلى أن مات في سنة 769ه، فطلب مرجان من السلطان أن يعيده إلى ولاية بغداد بعد أن حلف له على الطاعة، فقبل منه وأعاده عليها للمرة الثانية، فسار بالناس سيرة حسنة وأتم ما كان شرع فيه من الأعمال والمشاريع العامة، وحمد الناس له سيرته، وكمل في ولايته الثانية هذه ست سنوات ومات في سنة 774ه/1372م، فوليها بعده الخواجة سرور، ولم يقم فيها إلا أشهرا قليلة حتى أصيبت بالغرق العظيم، فطفا الماء على بغداد وما حولها، وتهدمت أكثر قصورها وآثارها، كما تهدمت الآلاف من دورها، ومات جمع غفير من أهلها، وكانت الخسارة عظيمة، فلما بلغت أخبارها إلى السلطان وهو بتبريز تأثر جدا فسأل أمراءه عمن يريد أن يتولى إيالة بغداد وينقذها من الخراب الذي أحاط بها، ويكون مدة خمس سنوات مطلق اليد في خراجها، على أن يعمرها فقبل الأمير إسماعيل بن زكريا الدامغاني بذلك، ودخلها في سنة 775ه/1373م، وحدب عليها وعطف على أهلها، وحفر الأنهار، ونظم المجاري، واعتنى بالزراعة، ونظم شئون البلاد حتى ازدهرت، وفي هذه الفترة مات السلطان أويس وولي ابنه جلال الدين حسين مكانه في سنة 776ه/1374م، فأقر الأوضاع كما كانت في عهد أبيه، ومرت الممالك العراقية بفترة استقرار لولا حادثتان، أولاهما أن الخواجة بيرام بك ثار في الموصل وتغلب عليها في سنة 777ه/1375م كما تملك بلاد سنجار، وقوي أمره، واشتد بطشه؛ والثانية وقوع فتنة في بغداد في سنة 780ه/1378م ذهب بسببها الأمير الدامغاني قتيلا بسبب ثورة الجند عليه، وقد أسف الناس لمقتله لما كان عليه من الصفات النبيلة والعدل، وإعادة السكينة والرخاء إلى بغداد خاصة، والبلاد العراقية عامة.