وقد استمرت مكاتبات الصلح هذه حتى سنة 723ه/1323م، فقد ذكر أبو الفداء أن في هذه السنة ذهبت رسل السلطان أبي سعيد ورسل نائبه الأمير جوبان وتوجهوا إلى سلطان مصر بالقاهرة ثم عادوا إلى بلادهم،
8
وهدأ العراقان وبلاد الشرق ومصر بعد فترة طويلة من الفوضى والاضطراب، وقد زار العراق في هذا الوقت الرحالة العربي ابن بطوطة، وكان السلطان أبو سعيد هناك، فوصفه وتحدث عن بعض مجالسه ولهوه وأحواله وأحوال صاحب دولة جوبان وأحوال ابنه دمشق خواجه، وكيف كانت نهاية جوبان وأولاده جميعا مما سنراه مفصلا بعد.
إن من المؤكد أن العراق وجميع البلاد الخاضعة لحكم المغول كانت في الربع الأول من هذا القرن تحت سيطرة جوبان وأولاده يتحكمون فيها كما يشاءون، وليس للسلطان أبي سعيد إلا الاسم والمظاهر السلطانية، وقد ضاق السلطان بهذا الأمر ذرعا فعمل على التخلص من دمشق خواجه فقتله، ثم أراد الفتك بأبيه فالتجأ إلى ملك هراة غياث الدين شاه فأكرمه أول الأمر ثم دبر قتله وبعث برأسه إلى أبي سعيد، وتفرقت بقية أولاده في البلاد، ثم ألقي القبض عليهم وقتلوا جميعا،
9
وقد تولى الوزارة بعده غياث الدين محمد بن الخواجة رشيد الدين، وكان رجلا عاقلا اعتمده السلطان فأحسن سياسة الأمور، وأبطل كثيرا من المكوس والضرائب الظالمة، وحسنت أحوال الناس في عهده، وقويت تجارة العراق مع البلاد المجاورة وخاصة الشام وإيران والروم، وكانت البلاد العراقية على حالة حسنة؛ لأن واليها علي باش كان على جانب من الكياسة والدين، وظلت أحوال البلاد حسنة طول عهد السلطان إلى أن فتك به داء الصرعة في ربيع الآخر سنة 736ه/1335م وله من العمر بضع وثلاثون سنة،
10
فلما مات وقعت الفتنة في البلاد؛ لأنه لم يكن له ولد، وطمع في الملك بعده خصومه وأمراء مملكته، فقد كان علي باش أمير بغداد طامعا في ذلك، وكان الأمير أربا خان - وهو من كبار رجال الدولة - يحلم بذلك، وهو امرؤ قوي النفوذ والشكيمة، فنادى بنفسه ملكا على البلاد، واستولى على إيران والعراق واشتعلت نار الفتن في البلاد جميعها، وخصوصا حين غلب علي باش على أمره، وذهب إلى السيدة دل شاو زوجة السلطان أبي سعيد وطلب إليها أن تذهب معه إلى بغداد وكانت حاملا، فذهبت معه وأعلن للناس أن الملك ينبغي أن يكون لمن ستلده هذه السيدة، وبعث الدعاة بذلك إلى البلاد، ثم إنه أخذ يضيق على البغداديين وسائر العراقيين، ويطلب إليهم أن يدفعوا إليه الأموال للدفاع عنهم من غارات «أربا خان»، فجمع أموالا جساما، حتى قيل إنه لم يبق مع الأعيان والأغنياء شيئا، ثم سير جيشه إلى مدينة سلطانية عاصمة المغول، وعمت الفوضى في البلاد، وتحكم فيها الفساد والمتمردون، وقطعت الدروب وعمت الفتن، ثم وردت الأخبار بقتل أربا خان في سنة 736ه، وتسلطن بعده موسى خان، فلم تطل مدته سوى شهرين، وكانت مملوءة بالشرور والثورات.
ويمكننا أن نعتبر أن سلطان المغول قد انقرض بتولي هذا السلطان، وكان ذلك على يد الشيخ حسن الكبير الأبلخاني أمير بلاد الروم، فقد زحف على البلاد العراقية، ووقعت بينه وبين موسى خان وعلي باش معركة كبيرة في تبريز، انتهت بتفرق جند علي باش، وهروب موسى خان، وأسر علي باش وقتله.
11
وهكذا انقرضت الدولة المغولية في العراق والمشرق كله سنة 738ه/1336م، على الرغم من بقاء بعض الأمراء المتغلبة المغول الذين أخذوا يعلنون سلطنتهم واستيلاءهم على بعض بقاع الدولة مثل: سلطان محمد، وطفا تيمور، وصاتي بك، وسليمان خان، وجيهان تيمور، وغيرهم من الأمراء الذين كان لا يدوم ملك أحدهم أكثر من شهرين أو ثلاثة، وقد لقي العراق منهم في هذا القرن فتنا وويلات عظيمة، كما مرت به سنوات قحط شديدات إلى أن توطدت الأمور للدولة الأبلخانية الجلايرية الجديدة على يد رئيسها الشيخ حسن الكبير.