تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما قتل الأمير إسماعيل الدامغاني اضطربت الأحوال ووقعت فتن كثيرة بين السلطان حسين وإخوته الطامعين في الملك والسيطرة على بغداد، إلى أن كانت سنة 782ه/1380م فتمت فيها الغلبة للشيخ علي أخي السلطان حسين، وتولى على بغداد قسرا بمعاونة نفر من أهلها؛ لأنه كان أميرا عادلا صالحا على عكس ما كان أخوه السلطان حسين.

وفي هذه الفترة أحب السلطان حسين التقرب من سلطان مصر والشام وأن يقوي نفوذه عنده، فبعث إليه بالقاضي زين الدين علي بن العبايقي الآمدي قاضي بغداد وتبريز، وبالصاحب شرف الدين بن عز الدين الواسطي وزير السلطان، ومعهما نفر من الوجوه والأعيان، ولما وصلوا إلى الديار الشامية أكرمهم أهلها إكراما كثيرا، ولما وصلوا إلى الديار المصرية تلقاهم السلطان برقوق أحسن تلق، وقد قوت هذه الوفادة أواصر المودة بين العراق وبين الشام ومصر وحكامهما. ويذكر المؤرخون أن القاضي زين الدين لما رجع إلى العراق كان يكثر من الثناء على أهل الشام ومصر، ويظهر أن السلطان حسينا لم يفد كثيرا من هذه الوفادة؛ فإن النزاع قد قوي بينه وبين إخوته، فإنهم غاروا من ذلك، وأخذوا يفسدون عليه خططه التي هدف إليها من وراء هذه الوفادة، وفي سنة 784ه/1382م تغلب عليه الأمير أحمد وقتله واستقل بالأمر بعده، ثم انصرف أحمد لقتال سائر إخوته، وابتدأ بقتال الشيخ علي صاحب بغداد الذي نادى بنفسه سلطانا عليها بعد مقتل أخيه السلطان حسين، ووقعت بين الطرفين معارك عديدة قتل فيها الشيخ علي واضطربت حالة بغداد، وتسلط الأوباش والسوقة على المدينة، واجتمع وجوهها وبعثوا إلى أمير يسمى «عادل آغا» وصاحب نفوذ كبير في مدينة تبريز طالبين إليه أن يبعث إليهم واليا يضبط أحوال المدينة وينظم فوضاها، فبعث إليهم بالأمير طورسن ليتولى بغداد، وبقوام الدين النجفي ليتولى وزارة بغداد، فلما وصلا إلى المدينة لم يستطيعا وضع الأمور في نصابها، ولم تتبدل الحالة بل ازدادت سوءا على سوء؛ لأنهما شرعا في جمع الأموال ومصادرة الأهلين، وخصوصا حين بلغ الناس خوف السلطان أحمد من تيمورلنك الذي أخذ نجمه يظهر في هذه السنة، 786ه/1384م، والذي سيطر على المشرق كله من تركستان إلى بخارى وسائر بلاد ما وراء النهر، وأنه متجه الآن لفتح الأراضي الغربية في خراسان وسائر المماليك الإيرانية والعراقية والشامية والمصرية.

وفي سنة 786ه/1384م زحفت جيوش تيمورلنك على تبريز وأذربيجان فاستولى عليهما وفتك بأهلهما، وفر السلطان أحمد إلى بغداد فتخاوف الناس، وتذكروا أيام هولاكو وجنكيز خان، وبينما كان تيمورلنك يريد الزحف على العراق، إذا بالأخبار ترد إليه أن بعض الثوار ظهروا في بلاده، وخرجوا عليه، فرجع إليهم من حيث أتى واستقر هنالك فترة وطد فيها أركانه، وقضى عليهم، ثم عاد إلى العراق فلقيه جيش العراق على ما سنفصله فيما يلي.

الفصل الثالث

| العراق والكارثة التيمورية

ظهر تيمورلنك عام 773ه/1371م في بلاد سمرقند فاستولى عليها، ثم استولى على بلاد بخارى جميعها، ثم قصد بلاد هراة وما إليها فضمها إلى مملكته، ولم تأت سنة 777ه حتى كان مستوليا على جميع بلاد ما وراء النهر وتركستان وخوارزم، وفي سنة 784ه قوي نفوذه جدا، وخرج بجموع كثيرة من المغول والتتار ودخل بلاد خراسان ففتحها، ثم اتجه إلى بلاد أذربيجان فخربها، واستولى على أموالها وفعل الأفاعيل بأهلها؛ لأنهم حاولوا مقاومته، ثم سار نحو أصفهان فأخضعها، واتجه نحو تبريز فاجتاحها، واضطر السلطان أحمد بن أويس أن يهرب بنفسه على ما بيناه في الفصل الثاني.

وبلغت أخبار تيمورلنك إلى العراق فخاف أهله خوفا شديدا، وأخذ كل واحد يعد العدة للهروب بنفسه والنجاة بأولاده وماله. أما السلطان أحمد فإنه رأى أن يكتب إلى صديقه سلطان مصر مستنجدا، ومحذرا من فتك هذا الطاغية الجبار ، وأخذ السلطان أحمد يجهز نفسه فأعد عسكرا عظيما وتلاقى جيش العراق بجيش تيمورلنك عند مدينة سلطانية، ولكن الجيش العراقي العربي لم يستطع الوقوف طويلا أمام الجيش التيموري، وتفرق جنده، وعمت الفوضى بين رؤسائه وقادته، ثم اتجه الجيش التيموري صوب بغداد، وأخذ جنده يفتكون بالقرى والمدن التي تعترض طريقهم، وكانوا يستخلصون الأموال ويعذبون الأهلين، ويقتلون كل حي حتى النساء والأطفال والشيوخ، ويهدمون الدور والقصور ويحرقون الزرع والشجر، ويسبون الغلمان والفتيات. أما السلطان أحمد، فإنه جمع أمواله ونفائس قصوره وكنوزه وأهل بيته، وأرسلهم في صحبة ابنه الأمير ظاهر إلى قلعة جد حصينة يقال لها «قلعة النجاء» في بلاد شروان، ثم فر هو وبعض قادته وأمرائه إلى بلاد الشام في يوم 20 شوال سنة 795ه، ودخل تيمورلنك مدينة بغداد وبعث جنده إثر السلطان أحمد، فساروا إلى «الحلة» وفتكوا بأهلها، وكادوا يلحقون بالسلطان أحمد ويفتكون به، ولكنه استطاع أن ينجو بنفسه بعد أن سبى المغول حريمه واستولوا على جنده، وركض هو مسرعا ناجيا بنفسه حتى دخل مدينة «الرحبة» واستجار بأميرها نصير أمير عرب الفضل فأكرمه، ثم نصحه أن يتجه نحو حلب فسار إليها وأكرمه نائبها، ثم كتب إلى السلطان في مصر يعلمه بمقدمه ويخبره أن السلطان أحمد راغب في السفر إلى مصر، فجاءه الجواب بالموافقة وسار السلطان إلى مصر.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ١٣