تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما مات خدابنده في سنة 717ه/1317م، تولى الأمر من بعده ابنه بهادر خان وهو طفل لم يتجاوز العاشرة، فقام بالأمر جوبان وكان أميرا داهية ذا سيرة سيئة، سلك مسلك السلطان خدابنده وتمم مشاريعه. وفي سنة 718ه حضر إليه الأمير فضل بن عيسى بن مهنا، وقدم إليه تقدمة من الخيول العربية والهدايا النفيسة، فعهد إليه بإمارة البصرة وما حولها، واستمرت له إقطاعاته التي كانت بالشام، ويظهر أن سلطان مصر المملوكي قد أحس بالدور الخطير الذي يلعبه هؤلاء الأعراب، فأراد أن يسلط عليهم بعض العشائر البدوية، وعمل على إغراء بني عقيل عليهم، كما أثار أعراب الأحساء والقطيف ضدهم، ولقيت مدينة البصرة منهم جميعا ويلات ومحنا شدادا، حتى قيل إن بني عقيل أخذوا من بني مهنا ومن أهل البصرة ما يزيد على العشرة آلاف بعير.

3

ولولا أن فتنة وقعت بين أمراء المغول أنفسهم، لاستمر جوبان على إغرائه بين العرب. وتفصيل أمر هذه الفتنة أن أمراء المغول كرهوا انفراد جوبان بالأمر من دونهم، وخصوصا بعد أن وزع نيابة السلطنة في الممالك العراقية والإيرانية بين أولاده.

فلما رأوا ذلك عزموا على الثورة عليه، ووقعت الفتنة بين الجانبين، وقتل منهما قرابة ثلاثين ألفا،

4

حتى كاد أن يزول ملك المغول لولا أن جوبان أظهر براعة عظيمة فقضى على خصومه، واستتب له الأمر.

5

ثم إنه رأى أن أول ما يجب عليه عمله هو أن يهادن سلطان مصر الملك الناصر ويتقرب إليه، ففي سنة 720ه/1320م بعث رسلا من قبله ومن قبل بهادر خان، ومن قبل الوزير علي شاه إلى سلطان مصر الناصر، وهم يحملون الهدايا والتحف والجواري والمماليك مما قيمته خمسون تومانا، وكانت قيمة التومان وقتئذ عشرة آلاف درهم،

6

ولما وصلوا إلى مصر أكرمهم السلطان الناصر، ومما قاله له رئيس الوفد: «إن أخاك الملك أبا سعيد يسلم عليك ويقول إن أباه خدابنده كان يقول: أنا والسلطان الملك الناصر شيء واحد، والمسلمون جيش واحد، ونسكن الفتن القديمة، ونقيم الملة الإسلامية.» وقد أجابه الملك الناصر جوابا لطيفا دل على استحسانه واستجابته، ثم عقد بين الجانبين عهد صلح تضمن النقاط الآتية: (1)

أن يمنع ملك المغول حضور الفداوية من بلاده، فلا يدخل أحد منهم. (2)

أن من حضر من مصر إلى بلاد ملك المغول يكون لاجئا ولا يطلب، وأن من حضر من بلاد المغول إلى بلاد مصر فلا يعود إلا أن يكون ذلك برضاه. (3)

ألا يدخل بلاد ملك المغول مغير من العرب أو التركمان. (4)

أن تكون الطريق بين البلادين مفتوحة يدخل فيها التاجر وغيره، فلا يعارض. (5)

أن يكون لملك المغول سنجق سلطاني يحمل في الركب الذي يخرج إلى مكة أثناء موسم الحج. (6)

ألا يطلب قراسنقر ولا يذكر بشر؛ لأنه لاجئ إلى ملك المغول، ونزيل عنده فوجبت عليه حرمته. (7)

أن يبعث السلطان الملك الناصر إلى الملك المغولي رجلا معروفا بالجودة والأمانة ممن يوثق به في الأمور، وتكون معه نسخة يمين من السلطان، وأن الملك المغولي يحلف على ذلك، ويستمر هذا الصلح، ويصير الإقليمان إقليما واحدا.

وهكذا تم الاتفاق بين الطرفين وعاد الوفد من مصر بعد أن أنعم عليهم السلطان بالهدايا والخلع، وكتب كتابا إلى ملك المغول بإقرار العقد، وأن العرب من آل مهنا قد كثر فسادهم في البلاد وأنهم خارجون عن طاعة السلطان المصري، فيجب على السلطان المغولي ألا يمكنهم من بلاده أيضا، ومما جاء في الجواب: «وإن العرب آل عيسى بن مهنا قد كثر فسادهم في البلاد وخرجوا عن طاعتي، وقد أخرجتهم من بلادي وأريد أنا أيضا ألا تمكنوهم من الدخول إلى بلادكم وتمنعوهم، وأنا أخرج عسكرا من عندي وأنتم أخرجوا عسكرا من عندكم، فنشيل سائر العرب.»

7

ويظهر أن الجانبين كانا يلاقيان ضروبا من الفتن بسبب هؤلاء الأعراب المنتشرين في بادية الشام، وعلى سيف الصحراء، وعلى الحدود الشامية العراقية، وقد مر بنا قبلا ما كان نصيبهم في الفتنة التي وقعت بين سلطاني مصر والعراق، ومما يلاحظ أيضا في عهد الصلح السابق أن الفداوية (الفدائية) كانوا يحتمون في مصر ويقومون بأعمال العنف المزعجة في الديار العراقية؛ ولذلك كان أول شرط شرطه أبو سعيد ملك المغول والأمير جوبان هو منع هؤلاء من الإقامة بأرض مصر، وأن يفرق شملهم، ويظهر أن المصريين كانوا قد شجعوا نفرا منهم لاغتيال بعض أمراء المغول أو قتل نفر من المماليك المصريين الذين لجئوا إلى العراق بعد حصول الفتنة بين سنقر وعز الدين الزردكاش وبلبان الدمشقي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ١٠