تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42

والخبيص والشواء ولحم الدجاج، والكبد، والسمك، والسلق، والتمر، والمنقوع باللبن المخلوط بالقثاء،

43

ويكره الثوم، والبصل، وكل كريه الرائحة، فتكثر له ما يحب، وتبعده عما يكره، وكانت تعنى بلباسه وطيبه ونظافته.

وقد رأت رغبة محمد في الانزواء والتحنث في غار حراء، فكانت تهيئ له ما يحتاج إليه في خلوته الإلهية من زاد وماء، كما كانت تتعهده إذا طالت غيبته عنها، ولكنها كانت رفيقة به لطيفة معه لا تقطع عليه تأملاته، ولا تكدر صفو تحنثه.

وكما كانت زوجة برة، كانت أما صالحة تعتني بأولادها منه، وتحنو عليهم، وقد ولدت له كل أولاده ما عدا إبراهيم ابن مارية القبطية، فقد رزق منها: القاسم، فزينب، فرقية، ففاطمة، فأم كلثوم، وهؤلاء جميعا قد ولدتهم قبل الإسلام، ثم ولدت له بعد الإسلام: عبد الله الطيب، وأخاه الطاهر، وقد ماتا صغيرين، أما البنات فقد أدركن الإسلام، وتزوجن وهاجرن معه، وقد ضم محمد إلى أسرته ابن عمه علي بن أبي طالب برا بعمه أبي طالب وتكريما لعلي، وكانت خديجة حفية بأبنائها وبناتها تنشئهم أحسن تنشئة، وتعق للغلام منهم بشاتين والفتاة بشاة، وتسترضع لهم أحسن المراضع على الطريقة العربية القديمة. «وبعد»، فإن عظمة هذه السيدة الفاضلة تتجلى في تثبيت قلب محمد بعد الدعوة، وإعانته على تحمل أعبائها، وبخاصة في السنوات الأولى من البعثة حين تألب الناس عليه

صلى الله عليه وسلم

فأنكره الأقربون وآذاه المشركون، فوقفت هي وقفة السيدة الكبيرة العاقلة المفكرة، تمتن فؤاد محمد، وتسكن خاطره بقولها: «والله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، إلخ ...» تلك الأقوال الجميلة الجليلة التي سنعرض إليها فيما بعد، وقد شاطرت هذه السيدة الفاضلة النبي كل ما تحمله في سني الدعوة الأولى من المحن، وعملت على نصر دين الله، ولما اشتدت خصومة قريش على النبي وآل البيت الهاشمي وحصروهم في الشعب، ومنعوهم من وصول الطعام والماء إليهم أنفقت خديجة كل أموالها في سبيل تأمين معيشتهم، وقاست هذه السيدة المرفهة في أواخر عمرها ظروفا قاسية، فأضر ذلك الحصار بجسمها، ولم تعش طويلا بعد أن خرج النبي

صلى الله عليه وسلم

وآل البيت من الشعب، ماتت في عاشر رمضان من السنة العاشرة لمبعثه

صلى الله عليه وسلم ،ولها من العمر خمسة وستون عاما، فدفنها الرسول في الحجون، وكان كثير البر بها والذكر لها. (3-2) اشتراكه في بنيان الكعبة ووضع الحجر الأسود

كانت الكعبة أقدس مكان لدى العرب منذ جاهليتهم الأولى، توارثوا تقديسها كابرا عن كابر منذ أيام إبراهيم، ولقد بنيت الكعبة خمس مرات «أولاهما» أيام النبي شيت

صلى الله عليه وسلم

في العهد الغابر، «والثانية» أيام إبراهيم وكانت أول أمرها رضما فوق القامة؛ أي حجارة تتجاوز قليلا طول الإنسان، وقيل إنها كانت تسعة أذرع، وقد استمرت على ذلك إلى ما قبل البعثة النبوية بخمس سنوات، «والثالثة» أيام قريش؛ قال ابن إسحاق: اجتمعت قريش قبل مبعث النبي

صلى الله عليه وسلم

بخمس سنوات لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها - إذ لم يكن لها سقف من قبل - ولكنهم يهابون ذلك، ثم أقدموا عليه، «والرابعة» حين احترقت أيام ابن الزبير، «والخامسة» أيام عبد الملك بن مروان، ولما استخلف أبو جعفر المنصور أراد هدمها وبناءها من جديد فقال له مالك بن أنس: أنشدك بالله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة الملوك من بعدك.

44

أما البناء الذي اشترك فيه محمد

صلى الله عليه وسلم

فقد كان في السنة الخامسة والثلاثين من عام الفيل، حين رأت قريش أن كنوزها قد سرقت، وأن اللصوص قد عاثوا فيها؛ لأنها لم تكن مسقوفة ففكروا في سقفها، ولكنهم خافوا مغبة ذلك أول الأمر، ثم قال الحكماء: ليس في هذا بأس، فأقدموا على هدمها، وباشر ذلك الوليد بن المغيرة، وأحضروا لها الخشب من سفينة ألجأتها الرياح إلى ساحل جدة، وعهدوا بها إلى نجار قبطي أن يقوم بذلك، فأخذ يهيؤه وهم يبنون، وكان المشرف على ذلك أبو وهب بن عمرو بن عائذ المخزومي خال النبي، وقال لقريش: لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا حلالا، ولا تدخلوا فيه مهر بغي أو بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس، ثم إن قريشا تجزأت الكعبة؛ فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمع وسهم، وكان شق الحجر وهو المعروف بالحطيم لبني عبد الدار بن قصي، وبني أسد بن عبد العزى، وبني عدي بن كعب.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٥٩