تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان محمد في شبابه يعيش في كنف عمه أبي طالب، وربما رعى الغنم لبعض أهل مكة على قراريط كما ذكر ذلك البخاري وابن إسحاق،

38

ولما جاوز العشرين بعثت إليه خديجة بنت خويلد - التي رأت فيه الأمانة والثقة - غلامها ميسرة، فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا في رحلة الصيف على أن تعطيه أفضل ما كانت تعطي التجار، وكانت امرأة تاجرة ذات مال وشرف، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، فقبل محمد وخرج سنة 594م ومعه ميسرة حتى قدم الشام فتاجر، ثم قفل إلى مكة فباعت ما جاء به وربحت، ثم إنها بعثت إليه قائلة: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، فانشرح صدره لذلك لما كانت عليه من الشرف والنبل والجاه.

ولدت خديجة في أواسط القرن السادس، وكان لها - لما خطبها محمد - نحو من أربعين سنة، وهي من أعرق أسر قريش شرفا وأكثرهم مالا؛ فأبوها خويلد كان ممن قاد قريشا في حرب الفجار، وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم من بني عامر بن لؤي، ويذكر الذهبي أن جدها عمرو بن خنثر المزني كان من أبطال الجاهلية وشيوخها، وعمها عمرو بن أسد كان من سادات قومه ووجوههم وأثريائهم، وأخوها العوام بن خويلد كان من عقلاء قريش، وأما جدها وهو والد الزبير بن العوام [...] وأبناء عمومتها حكيم بن حزام، وورقة بن نوفل، وقتيلة بنت نوفل. فأما حكيم فقد كان من أنبل الرجال وأكرمهم، وكان له موقف مجيد يوم حاصرت قريش بني هاشم في الشعب؛ فإنه لم يتأخر عن خدمتهم ومعونتهم بكل ما يستطيع، وورقة بن نوفل كان من الحنفاء والعقلاء في الجاهلية؛ قرأ التوراة والإنجيل وكتب العبرانية، وقتيلة أخته كانت نبيلة عاقلة نظرت في الكتب القديمة ودرستها .

تزوجت خديجة قبل محمد رجلين؛ أولهما: النباش بن أبي زرارة، لم يلبث أن مات، فتزوجت بعده عتيق بن عائد المخزومي،

39

وقد ورثت عن أبيها وزوجها مالا كثيرا كانت تستعمله في الاتجار، ولما عرضت خديجة على محمد الزواج شاور أعمامه فقبلوا، وخرج هو وعمه الحمزة حتى أتيا وليها - أباها وفي رواية أخاها - فخطبها إليه، ووافق على ذلك، فاحتفل القوم بهذا، وخطب أبو طالب في ذلك الحفل فقال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل ضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حفظة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا حرما محجوجا، وبيتا آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا يرجح عليه، فإن كان في المال فلا فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله اثني عشر أوقية ونش (النش نصف أوقية والأوقية أربعون درهما)، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل.» ثم تمت الخطوبة والزواج، وحضره رؤساء مضر وشيوخ قريش.

40

ولما تزوجها نحر جزورا أو جزورين وأطعم الناس، وهي أول وليمة أولمها محمد،

41

وكانت به برة رحيمة وفية، تعطف عليه وتحنو وتفديه بمالها وجاهها، وقد استطاع محمد بجانبها أن يجد السكينة والهدوء، وينصرف عن التكسب للمعاش إلى التفكير والتحنث، ودراسة الكون، والتطلع إلى السماء، ولولاها للقي من دهره عنتا، فقد كانت - رضوان الله وسلامه عليها - على جانب كبير من الحنان والعطف، وقد أحست بنبل قلب محمدها وعظم نفسه، فهيأت له الأسباب للهدوء والطمأنينة لما قرأت في عينيه من الإخلاص والإيمان، وما وجدت في قلبه من سمو الأخلاق والفضل، وكان هو يقدر فيها هذا الحنو والحب فبادلها حبه وإعجابه، ولم يكن محمد كسائر رجال العرب، فهو فذ في أفكاره، فذ في طعامه، فذ في شرابه، فذ في حركاته وسكناته، وكان لا يفكر بما يفكرون، ولا يأكل كما يأكلون، ولا يشرب كما يشربون، ولا يتحرك كما يتحركون ، كان ميالا إلى العزلة، يطيل الانفراد والخلو بنفسه بعيدا عن ضوضاء المجتمع المكي الصاخب، فهيأت له ما يحب ويتمنى، وكان يشتهي أكلات خاصة من الدباء، والعسل، والخزبر، والثريد، والخزيرة،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٥٨