قال ابن هشام: ولما أرادوا هدمها قال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم إنا نريد الخير، ثم هدم من ناحية الركن، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: انتظروا فإن أصيب لم نهدم شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله صنعنا فهدمنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله، فهدم وهدم الناس معه حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسمنت آخذ بعضها بعضا،
45
ولما شرعوا في البناء، وبلغوا موضع الركن اختصموا فيه؛ كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه حتى تحاوروا وتخالفوا، وأعدوا للقتال أنفسهم، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، وتعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم في الدم، ومكثت قريش أربع ليال أو خمسا وهم مختلفون، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا، فقال أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله المخزومي - وكان أسن قريش: يا معشر قريش، اجعلوني بينكم فيم تختلفون فيه؛ إن أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم، ففعلوا فكان أول من دخل محمدا، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا به هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال: هلم إلي ثوبا؛ فأتي له، فأخذ الركن فوضعه بيده فيه، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة ناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده، ثم بنى عليه، فلما فرغوا من البنيان من ذلك قال الزبير بن عبد المطلب قصيدة منها:
فقمنا حاشدين إلى بناء
لنا منه القواعد والتراب
غداة نرفع التأسيس منه
وليس على مسوينا ثياب
أقر به المليك بني لؤي
فليس لأصله منهم ذهاب
وقد حشدت هناك بنو عدي
ومرة قد تقدمها كلاب
فبوأنا المليك بذاك عزا
وعند الله يلتمس الثواب
وكان بناؤها هذا ثماني عشر ذراعا، وجعلوا لها كسوة من القباطي والبرود. (3-3) الوحي
مقدمة في الوحي والنبوة. الوحي هو في اللغة الإلهام الغريزي، أو الإشارة الخفية السريعة، والإلقاء في الروع، وفي الاصطلاح: هو الإلهام الذي يقذفه الله في قلب النبي أو الرسول، وقد استعملت هذه الكلمة في القرآن سبعين مرة؛ «تارة» بمعنى الإشارة والقول:
فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (سورة مريم: 11)، «وتارة» بمعنى الوسوسة:
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ، «وتارة» بمعنى الإلهام الغريزي:
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا (سورة النحل آية: 68)، «وتارة» بمعنى الفزع والروع:
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا (المائدة: آية 111)، «وتارة» بمعنى الإلهام للأنبياء والرسل، وهو الأكثر:
وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به (الأنعام: آية 19)، ولكن أكثر استعمالاتها في القرآن هو المعنى الأخير؛ أي الإلهام للرسل، ووحي الله يكون بطرق، منها: القذف في القلب، ومنها: إنزال الملائكة كجبريل وغيره رسلا بين الله وبين أنبيائه، ومنها: سماع صوت الله لمن يريد بواسطة شيء ما، قال تعالى:
وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (الشورى: آية 51)، وجمهور المسلمين يرون أن جبريل الروح الأمين كان ينزل إلى محمد
صلى الله عليه وسلم
فلا يراه أحد غيره، وقد ورد في بعض الأحاديث أنه كان ينزل إلى النبي في صورة دحية الكلبي، فيراه غير النبي على صورة رجل، أو يأتي إلى مجلس النبي على صورة رجل ما فيراه الناس جميعا.
أما كيفية بدء النبوة فقد حدثتنا به السيدة عائشة؛ فقد روى عنها البخاري: أن أول ما بدئ رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء؛ وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، والتحنث التحنف والتعبد في الليالي ذات العدد، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ: قال: فأخذني فغطني حتى بلغ بي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ: قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم قال: