كان يكتب ويقرأ، وأن ذلك لا يطعن في معجزاته
صلى الله عليه وسلم ، وأنه يرى أن مذهب الذهبي هو أحسن المذاهب، وقد علق عليه بعد أن أورده بما نصه: كلام الذهبي وهو وجيه لا غبار عليه ... وما أشار إليه الذهبي أقوى صدمة للمعارضين من كون كتابته
صلى الله عليه وسلم
كانت معجزة، وقال بعد أن أورد كلام القرطبي: قلت أحسن منه ما سبق عن الذهبي في ترجمة ابن بنده، ثم قال الكتاني: ووقفت في المدينة المنورة على رسالة حافلة للعلامة المحقق الشمس محمد بن عبد الرسول البزرنجي الشافعي المدني في إثبات الكتابة والقراءة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
ولم يتيسر لي تلخيصها. وعندي جزء للفقيه الزاهد محمد بن عبد الله بن مفوز المعافري في نحو كراسة عنوانه: جزء فيه التحرير من ترك الواضحة والتنبيه على غلط القائل «كتب» في يوم الحديبية النبي الأمي، وفي آخره سماعات لأعلام أندلسيين وتونسيين، وموضوعه الانتصار لابن الصائغ في المسألة، والرد على الباجي والله أعلم، وسيأتي في القسم العاشر عن «سمط الجوهر الفاخر» أنه
صلى الله عليه وسلم
كتب عدة كتب بيده الشريفة،
34
وأورد الكتاني في الجزء الثاني من كتابه نص كلام صاحب سمط الجوهر كما أوردناه سابقا، ويمكننا إجمال أقوال الأئمة العلماء الذين قالوا إن النبي كان يكتب بما يلي: (أ)
أنه
صلى الله عليه وسلم
كان يكتب اسمه فقط، وهو قول الذهبي. (ب)
أنه
صلى الله عليه وسلم
كان يكتب الكلمة والكلمتين، وهو قول الذهبي أيضا. (ج)
أنه
صلى الله عليه وسلم
كان يكتب ولكنه لا يحسن الكتابة، وهو قول ابن الجوزي. (د)
أنه
صلى الله عليه وسلم
كان يكتب ولكن كتابته لا بالتعليم والاكتساب بل معجزة، وهو قول القرطبي. (ه)
أنه
صلى الله عليه وسلم
كان يكتب ولكن ذلك كان نادرا، وهو قول الخفاجي. (و)
أنه
صلى الله عليه وسلم
كان يكتب كل شيء ويحسن الكتابة، وأنه كتب بيده عدة كتب، وهو صاحب سمط الجوهر.
أما المحدثون من المسلمين فقد تحيروا في هذا الأمر، وخبطوا فيه خبطا ظانين أن البحث في هذا الأمر الحرج مخرج للمرء عن دينه مثير للعامة عليه، وخير من بحث فيه هو الأستاذ العلامة الصديق: محمد عزة دروزة في كتابه «سيرة الرسول»، فهو بعد أن أورد آية العنكبوت (48) قال: إنها تضمنت نصا صريحا على أن النبي لم يكن يكتب أو يقرأ قبل البعثة ... ثم أورد آية الفرقان، فقال: وهذا يؤيد أنه كان لا يقرأ ولا يكتب ... وننبه أولا إلى أن هاتين الآيتين هما اللتان تفيدان أن النبي لم يكن يقرأ أو يكتب لا كلمة «الأمي» ... إذ إن هذه الكلمة قد استعملت ... بمعنى «غير كتابي» ... وثانيا إلى أن آية العنكبوت إنما تنفي معرفة القراءة والكتابة عن النبي قبل البعثة، ولقد وردت روايات تفيد أنه
صلى الله عليه وسلم
كان بعد بعثته يكتب اسمه، وأنه محا كتابة معينة بيده في أثناء مفاوضات صلح الحديبية، وكتاب عقد الصلح، وبقطع النظر عن سند ومضمون تلك الروايات، فليس من المستبعد أن يكون قد تعلم القراءة والكتابة بعد بعثته، كما أن الآية لا تنفي ذلك، غير أن هذا إن كان وقع قد ظل فيما نعتقد في دائرة محدودة لا تتعدى كتابة الاسم أو قراءة بعض الجمل؛ لأنه لو تعدى هذه الدائرة لأثر في الروايات والأحاديث على الأقل،
35
ويتجلى من هذا أن الأستاذ دروزة يميل إلى مذهب الذهبي في أن الرسول قد تعلم القراءة والكتابة بعد البعثة؛ لكثرة ما أملى، واتصل بالكتاب، ولكن علمه لم يتجاوز الجملة أو بعض الجمل.
أما المستشرقون فقد بحثوا في الأمر مفصلا، وأفضل من بحث فيه هو شيخ المستشرقين في هذا القرن، وهو البرنس كايثاني، فقد ذهب إلى: «أنه من غير المعقول أبدا ألا يكون النبي قارئا وكاتبا، وحجة ذلك ما في القرآن من المعارف والعلوم والأخبار، وأحوال الكتابة والكتاب، فمن المستحيل أن يصدر عن رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، وأن فتيان قريش وشبابها من لداته وبيئته وأبناء عمومته وخئولته كانوا يقرءون ويكتبون، وأن الفترة التي كان بها محمد كانت فترة تتجه نحو الثقافة والتكامل العقلي، فلا يعقل أن يشب محمد أميا في هذه البيئة، ولكن محمدا - إظهارا لكون حركته حركة إلهية ومعجزة - كان يخفي علمه بالكتابة والقراءة، ويكتم ذلك على الناس وعن أصدقائه.»