36
أما الشق الأول من كلام المستشرق كايثاني فلا غبار عليه، ولكنا نخالفه في الشق الثاني؛ وهو دعواه أن النبي كان يكتم أمره ويتظاهر بالأمية؛ ليكون ذلك أوقع في قلوب سامعيه، وهو أمر يأباه ما أثر عنه
صلى الله عليه وسلم
من خلق نبيل وصدق متوافر مقطوع به، كما يجل على أن يتصف ذلك «الأمين» الذي خبره قومه، وعرفوا سمو خلقه، ونبل نفسه، وصدق حديثه، ثم إن سورة العنكبوت لتدل دلالة صريحة على كون النبي أميا لم يتعلم الكتابة كما كان يتعلمها لداته؛ لأن القرآن كان منتشرا بين الناس يقرءونه ويعونه، فلو كان فيهم من عرف أن محمدا قد تعلم معه أو فيهم ما قد يدل على تعلمه الكتابة والقراءة لأنكر عليه مضمون تلك الآية، ولكن شيئا من ذلك لم يكن.
وصفوة القول في هذه القضية - وهو الذي نرتئيه - هو أن محمدا كان قبل البعثة لا يقرأ ولا يكتب، ولم يؤثر عنه أنه تعلم في كتاب، ولا درس في مدارس، ولا لازم شخصا من لداته أو شيوخه تعلم منه الكتابة والقراءة، وإنما كان واسع الإدراك ذكيا فطنا لبيبا، ولما أوحى الله إليه أن يبشر بدينه ويدعو إلى تقديسه كثر اختلاطه بالناس من كتاب وقراء في مكة والمدينة اللتين كانتا تعجان بالقراء والكتاب، وكان لأماليه على كتابه، وقراءاتهم أمامه وتدقيقه في رسائلهم وأوراقهم ووثائقهم وشدة تعمقه في تتبع كل جليل ودقيق، وبخاصة في أمر الرسائل - كما سنرى ذلك مفصلا فيما بعد - أثر كبير في تعلمه الكتابة والقراءة، وإحاطته ببعض متعلقاتها ، ومعرفته ببعض قواعد الخط وأصوله، ولسنا نرى في هذا أيه غضاضة على معجزاته، فإن العلي القدير قد حباه بمواهب انفرد بها، ومزايا كانت موضع الغرابة والعجب والفخر
صلى الله عليه وسلم . (2-2) مواهبه وثقافته
كان لمحمد اطلاع واسع على تاريخ قومه وآدابهم، ويظهر لنا ذلك مما نجده في كتب السنة من رسائله ومعاهداته ومواثيقه وخطبه وحكمه ومواعظه، كما تتجلى لنا من مطالعة آثاره فصاحة معجزة، ولا غرو فإن مواهب محمد
صلى الله عليه وسلم
مواهب انفرد بها من بين لداته سواء منهم من كان خطيبا أو حكيما أو شاعرا، فقد نشأ في بيت عرف أهله بالعقل الرجيح، والقول الفصيح، والحكمة البليغة، واللهجة الفصيحة، ثم إنه نشأ في بني سعد، فقد أجمع كل من كتب عن فصاحته ومواهبه أنه كان ذا اطلاع واسع على لهجات عرب الحجاز وسائر بقاع الجزيرة، وكان يكلم كل قوم بلهجتهم وفصيح عبارتهم، وكان يعيد أقواله، ويكرر كلماته ليعقل عنه، وكان يكره التشادق والتفاصح والتحلف والتقعر، ويقول: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها.» وكان يكره سجع الكهان المصنوع الثقيل على الأسماع، أما السجع المستساغ المحبوب المطبوع الصادر عن السليقة الطبيعية؛ فإنه كان يحب قوله وسماعه كما كان يحب الشعر الجيد، ويطرب له، ويجيز عليه، ولما سمع قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل
طرب له وقال إنها أصدق كلمة قالها شاعر، ولما سمع بعض شعر أمير الشعراء الجاهليين وسيد فحولهم امرئ القيس، قال إنه صاحب لواء الشعر، ولكنه كان لا يرضى عن عهره وفسقه في شعره، فيقول: «إنه صاحب لواء الشعراء إلى النار.» وكان يطرب لشعراء الإسلام الداعين إلى محاسن الأخلاق ومكارم الشيم، والمنافحين عن الدين الجديد أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكان يستحسن أشعارهم، ويردد جميل أقوالهم، ويدرك مواطن الفصاحة ومواضع سحر القول وجماله، ولا عجب فإنه أفصح العرب، وصاحب جوامع الكلم، ومالك أعنة القول، حسن المنطق، سليم اللهجة، خال من عيوب اللفظ، بارع الإشارة، وقد وصفت السيدة عائشة طريقه في القول، فقالت: «ما كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من يجلس إليه.»