تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25

ثم جاء الإمام أبو الفرج بن الجوزي (597) فقال في كتابه «المشكل»: إن إطلاق يده

صلى الله عليه وسلم

بالكتابة ولم يحسنها كالمعجزة، ولا ينافي هذا كونه أميا لا يحسن الكتابة؛ لأنه ما حرك يده تحريك من يحسن الكتابة، إنما حركها فجاء المكتوب.

26

ثم جاء الحافظ الحجة الإمام عمر بن الحسن بن دحية الكلبي الأديب الكاتب المحدث (633) فقال بذلك، ونقله عنه قطب الدين محمد بن محمد الحضيري محدث الشام (894) وقال: إن جماعة من العلماء وافقوه على ذلك فيهم شيخه أبو زر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء أفريقيا.

27

ثم جاء الإمام المحدث الفقيه الحجة مؤرخ الإسلام محمد بن أحمد الذهبي (748) وتعرض لهذه القضية، فقال في ترجمة أبي الوليد الباجي: إن الباجي لما ألف رسالته التي بين فيها أن ذلك - أي كون النبي كان كاتبا - غير قادح في المعجزة رجع عنها جماعة، ثم قال: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا؛ لأنه لا يسمى كاتبا، وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة العلامة - أي توقيعهم وإشارات ملكهم - وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال عليه السلام: «إنا أمة أمية» أي: أكثرهم كذلك، لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى:

هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ،

28

وقال في ترجمة الحافظ ابن منده: إنه روى بسنده إلى عوف بن عبد الله بن عتيبة عن أبيه قال: «ما مات النبي حتى قرأ وكتب.» ثم علق على هذا الحديث بقوله: قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي

صلى الله عليه وسلم

يسير الكتابة بعد أن كان أميا لا يدري ما الكتابة؟ فلعله لكثرة ما أملى من كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك هذه عرف من الخط وفهمه، وكتب الكلمة والكلمتين، كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية «محمد بن عبد الله»، وليست كتابته لهذا القدر اليسير مما يخرجه عن كونه أميا ككثير من الملوك أميين يكتبون العلامة،

29

وقال أبو عيسى المهدي بن أحمد الفاسي في كتابه «سمط الجوهر الفاخر في مفاخر سيد الأوائل الأواخر»: كتب

صلى الله عليه وسلم

بيده كتبا لأهل الإسلام في الشرائع والأحكام، منها كتابه

صلى الله عليه وسلم

في الصدقات، كان عند أبي بكر، وكتابه

صلى الله عليه وسلم

في نصاب الزكاة وغيرها الذي كان عند عمر، وكتابه

صلى الله عليه وسلم

إلى أهل اليمن في أنواع من الفقه وأبواب مختلفة، وهو كتاب جليل احتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات.

30

وقال الإمام عبد الله بن الحسن بن أحمد القرطبي المحدث القارئ المفسر (611) في مختصره عن شرح البخاري عند حديث «عمرة القضاء» قوله: فأخذ الكتاب فكتب «ظاهر قوي في أنه عليه السلام كتب بيده، وقد أنكر قوم تمسكا بقوله تعالى:

وما كنت تتلو ... إلخ.» قال: «ولا نكرة فيه؛ الخط المنفي الخط المكتسب عن التعليم، وهذا خط خارق للعادة أجراه الله على أنامل النبي مع بقائه لا يحسن الكتابة المكتسبة، وهذا زيادة في صحة نبوته.»

31

وقال الشهاب أحمد بن محمد الخفاجي قاضي القضاة الأديب العلامة (1069) في شرح الشفاء بعد أن لخص ابن العربي السابق علق عليه بقوله: ورأيت في بعض الكتب أنه مما يدل على ذلك - أي على معرفته الكتابة - أنه

صلى الله عليه وسلم

قال لكاتبه طول السينات، وقوله تعالى:

وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ، فقوله

من قبله

يدل على أنه

صلى الله عليه وسلم

بعد ذلك كان يكتب نادرا.

32

وعقد السيد عبد الحي الكتاني فصلا في كتابه التراتيب الإدارية النفيس الذي اعتمدنا عليه كثيرا من فصول هذه البحوث، عنونه بقوله: «هل كتب عليه السلام بنفسه شيئا، وأمضى بعد كتبه بيمينه الشريفة أم لا؟»

33

وبعد أن أورد أكثر النصوص السابقة، وأيد وجهة نظر القائلين بأنه

صلى الله عليه وسلم

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٥٤