17
لا أعرف هذا ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال: اكتب. فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لما قاتلتك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال محمد لعلي: امح محمد رسول الله. قال: لا والله لا أمحوك، فأخذ رسول الله الكتاب فكتب: ابن عبد الله،
18
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عتيبة بن مسعود قال: ما مات النبي
صلى الله عليه وسلم
حتى كتب وقرأ، قال عجالة: فذكرت ذلك للشافعي فقال: صدق، سمعنا قوما يذكرون ذلك.
19
وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة أن منده بسنده إلى عوف بن عبد الله بن عتيبة عن أبيه قال: «ما مات النبي
صلى الله عليه وسلم
حتى قرأ وكتب.»
20
وروى البخاري في باب عمرة القضاء: «فأخذ رسول الله الكتاب، وليس يحسن، فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبد الله.»
21
فنحن نرى من أقوال البخاري ومسلم في صحيحيهما وابن أبي شيبة في مسنده والذهبي في تذكرته أن النبي
صلى الله عليه وسلم
كان يكتب، وقد بحث هذه القضية كثير من أئمة المؤلفين القدامى، وناقشوها، ولم يجدوا في القول بها ما يحط من قدر النبي.
ومن أقدم من بحث في أمر «كتابة النبي» الإمام المؤلف المؤرخ المحدث الراوية عمر بن شبة بن عبيد النميري البصري (262)، فقد ألف كتابا «في الكتاب» ذكر فيه هذه القضية، وقال: كتب النبي
صلى الله عليه وسلم
بيده يوم الحديبية.
22
ثم جاء الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي المالكي الفقيه المحدث (474) فجزم بأنه
صلى الله عليه وسلم
كان يكتب، وقد حمل عليه بسبب ذلك جماعات من الفقهاء حتى إن بعضهم كفره، قال برهان الدين بن فرحون في الديباج المذهب: إن الذي أنكر على الباجي وكفره هو أبو بكر بن الصائغ الزاهد، وتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه اللعن، فلما رأى ذلك الباجي ألف رسالته المسماة «بتحقيق المذهب» بين فيها المسألة لمن يفهمها، وأنها لا تقدح في المعجزة، كما لا تقدح القراءة في ذلك، فوافقه أهل التحقيق بأسرار العلم، وكتب بها لشيوخ صقلية، فأنكروا على ابن الصائغ، ووافقوا أبا الوليد على ما ذكره،
23
وقال ابن التلمساني في شرح الشفاء الشريف بعد ذكر مذهب أبو الوليد الباجي: وصوب أهل الحق مقالته، وإنه لا يقدح في المعجزة كونه كتب مرة، وقد ألف الفقيه الزاهد أبو محمد عبد الله بن منصور المعاقري جزءا انتصر فيه لابن الصائغ ورد على الباجي.
24
وجاء القاضي الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري المشهور بابن العربي الإشبيلي المحدث الفقيه الأديب (543) فذكر في كتابه «سراج المريدين» حين تكلم على «الغربة» وقال: وأشد أنواعها فقد النظير وعدم المساعد، والاضطرار إلى مصاحبة الجاهل، وذكر بقي بن مخلد ومحسن بن موهب، وما لقيا من أهل بلدهما بعد الرجوع من الرحلة حسدا على ما رجعا به، ثم قال ... وهذا أبو الوليد الباجي رحل وأبعد، وجلب علما جما، وقرئ عليه البخاري وفيه أن النبي محا وكتب، فقيل له: على من يعود قوله «وكتب»؟ فقال: على النبي، فقيل له: وكتب بيده؟ فقال: نعم، ألا ترونه يقول في الحديث: «فأخذ رسول الله
صلى الله عليه وسلم
الكتاب، وليس يحسن الكتابة، فكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله»، فقولوا عليه، وحملوا كل تكذيب وتعطيل عليه، وانتدب جاهل من المقرئين - فأخبرني أبو محمد عن ابن أبي عصام - بالمسجد الأقصى قال: رأيته يصيح في المسجد الجامع ويعلن بالزندقة إليه، بيد أن الأمير كان متشبثا فدعا بالفقهاء، فاتفقوا على أن هذا القول كفر، فاستظهر الباجي ببعض الحجة في ذلك، وقال للأمير: هؤلاء جهلة، ولكن اكتب إلى علماء الآفاق، فكتب إلى أفريقيا وصقلية، فجاء الجواب: أن يكتب بعد أميته فيكون ذلك من معجزته، لا يطعن أحد بذلك عليه؛ لأنهم تحققوا أميته، ثم شاهدوا معجزته، فوقفوا ولم يطعنوا.»