تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن أهل هذه البيئة من العرب كانوا يعرفون أن الصلاة مظهر من مظاهر العبادة لله أو إلههم، وأنهم كانوا يقومون بصلاة تعبدية، وأن حالات الركوع والسجود كانت معروفة وممارسة ككيفيات تعبدية عند العرب والكتابيين، وعند العرب أمام الكعبة بنوع خاص، وبناء على هذا فإننا نستطيع أن نقرر أن النبي

صلى الله عليه وسلم

كان يعرف هذه الكيفيات، وأنه كان يمارسها جهرا عند الكعبة وفي صلواته كعمليات تعبدية قبل بعثته لله وحده.»

15

ولا أدري حجة الأستاذ في هذا القول، فإن أحدا ممن كتب في سيرة الرسول من القدامى الموثوق بأقوالهم لم يذكر شيئا من كيفية تعبد محمد قبل البعثة، والقرآن الكريم على الرغم من تقصيه لأحوال النبي لم يشر إلى شيء من هذا القبيل كما رأينا، وإنما ذكر أنه كان يتطلب الهداية من ربه إلى أن هداه إلى الصراط المستقيم دين أبيه إبراهيم، على أنهم رووا أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء، وأن النبي كان يصومه، وهو يوم تجديد أستار الكعبة.

وهنا أمور لابد من الإشارة إليها، وهي تتعلق بمعرفة النبي القراءة والكتابة، وبعلمه وثقافته واطلاعه على ديانات الأقدمين، وما إلى ذلك. (2-1) كتابة النبي وأميته

يذهب جمهور المسلمين من علماء دين ومؤرخين إلى وصف النبي بالأمية، ونفي اكتسابه العلوم، وتوكيد ذلك، والإصرار عليه تصحيحا لجلال نبوته، وتفخيما لحركته؛ ظنا منهم أن أمية النبي وجهله للكتابة والقراءة يرفع من قدره، وأن القول بكتابته يحط من قدره، وسنعرض فيما يلي لبيان هذا الأمر حسبما توصلنا إليه.

يستند القائلون «بأمية النبي»

صلى الله عليه وسلم

على الآية القائلة:

وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (سورة العنكبوت: آية 48)، والآية القائلة:

وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (سورة الفرقان: آية 5)، أما الآية الأولى فهي في أن النبي كان قبل البعثة النبوية لا يقرأ ولا يخط، وأما الآية الثانية فتقول كذلك بأميته وأنه كان يستكتب بعض القصص، وأنها كانت تملى عليه فيستمع إلى من يتلوها صبحا ومساء حتى يحفظها، ثم يقصها زاعما أن الله أوحاها إليه،

16

وليس في القرآن الكريم أو كتب السنة الصحيحة حجة على أميته أقوى من هاتين الآيتين، وما يقال من أن هناك آية ثالثة تؤيد ذلك وهي وصف الله له «بالنبي الأمي» (في سورة الأعراف: 157) فقول مردود؛ لأن كلمة «الأمي» يراد بها في القرآن الكريم من لم يكن كتابيا؛ أي يهوديا أو نصرانيا ذا كتاب. «والأميون» في القرآن هم يقابلون «أهل الكتاب»؛ ففي سورة آل عمران:

وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ، قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: قل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى والأميين الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أأسلمتم؟ ... ومثلها قوله تعالى:

هو الذي بعث في الأميين رسولا (سورة الجمعة)، وقوله:

ليس علينا في الأميين سبيل (آل عمران: 75) ... على أن في القرآن آية واحدة يفهم منها أن المراد بالأميين هم الذين لا يقرءون ولا يكتبون، أو الضعفاء في القراءة والكتابة، وهي آية (البقرة: 78):

ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب .

وبعد، فإذا صح أن «النبي الأمي» أنه لم يكن من أهل الكتاب، وهذا أمر لا شك فيه، لم يبق هناك دليل يمنع من وصف النبي بأنه كان يكتب ويقرأ، وخصوصا بعد الهجرة تماشيا مع آية العنكبوت، فليس من المستبعد أن يكون محمد قد عرف شيئا من الكتابة والقراءة بعد البعثة أو الهجرة؛ فقد وردت عدة شواهد في كتب السيرة والحديث تفيد أنه كان يكتب ويقرأ شيئا قليلا، فقد أجمع المؤرخون ورجال السيرة على أنه لما عقد مع كبار قريش صلح الحديبية دعا عليا كما في صحيح مسلم، وقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.» فقال زعيم قريش سهيل بن عمرو بن عبد شمس:

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٥٢