2
ويقول البروفسور ديورانت في كتابه القيم عن «قصة الحضارة»: ويمكن أن نلخص الحضارة السومرية تلخيصا موجزا في هذا التناقض بين خزفها العج الساذج وحليها إلى أن أوفت على الغاية في الجمال والإتقان، لقد كانت هذه الحضارة مزيجا مركبا من بدايات خشنة، وإتقان بارع في بعض الأحيان، في تلك البلاد (على قدر ما وصل إليه علمنا في الوقت الحاضر) نجد أول ما أسسه الإنسان من دول وإمبراطوريات، وأول تنظيم الري، وأول استخدام للذهب والفضة في تقويم السلع، وأول العقود التجارية، وأول نظام للائتمان، وأول كتب القوانين، وأول استخدام للكتابة في نطاق واسع، وأول قصص الخلق والطوفان، وأول المدارس والمكتبات، وأول الأدب والشعر، وأول أصباغ التجميل والحلي، وأول النحت والنقش البارز، وأول القصور والهياكل، وأول استعمال للمعادن في الترصيع والتزيين، وهنا نجد في البناء أول العقود والأقواس وأول القباب، وهنا كذلك تظهر لأول مرة في التاريخ المعروف بعض مساوئ الحضارة في نطاق واسع؛ يظهر الرق والاستبداد، وتسلط الكهنة، وحروب الاستعمار، ولقد كانت الحياة في تلك البلاد متنوعة مهذبة موفورة النعم متعددة، وهنا بدأت الفوارق الطبيعية بين الناس تنتج حياة جديدة من الدعة والنعم للأقوياء، وحياة من الكدح والعمل المتواصل لسائر الناس، وفي تلك البلاد كانت بداية ما نشأ في تاريخ العالم من اختلافات يحيطها الحصر ...
3
وبعد، فهذه هي الحضارة السومرية، وهي أول حضارة عربية عريقة بلغت الأوج، ودلت على أن مثل هذه الحضارة بواكير حضارات أعرق ستكشف عنها التنقيبات الدائبة التي يعمل العراق الحديث على كشفها. (2) الدولة الأكادية
خرج الأكاديون (الأكديون) من قلب الجزيرة العربية إلى وادي الرافدين في العراق، وجاوروا السومريين في حوالي بداية الألف الثالث قبل الميلاد، وكونوا دولتهم فيه، وقد عاشوا في بادئ أمرهم إلى جانب السومريين، واقتبسوا منهم حضارتهم وعلمهم وثقافتهم، ثم أخذوا يتكتلون حتى تمكنوا من التغلب عليهم في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، حين نبغ فيهم الملك المصلح سرجون، فقضى على الدويلات السومرية، ووحد العراق كله، ثم توسع في ملكه حتى غدا ملكه إمبراطورية واسعة، كانت أول إمبراطورية في تاريخ حضارة الإنسان؛ فقد استولى على كافة الهلال الخصيب، وديار عيلام، وآسيا الصغرى، وشيد مدينة عظيمة جعلها عاصمة ملكه الواسع سماها «أكد»، وبها سميت الدولة.
وقد خلف الملك «سرجون» العظيم ملوك كبار، ساروا في سبيل رفع شأن أمتهم وتعزيز مكانتها، ومن أجل هؤلاء الملوك «نرام سن» الذي سار سيرة سرجون في الفتح حتى بلغت جيوشه إلى قبرص، ولكنه ما لبث أن مات فتقهقرت الدولة الأكدية، وأخذ نفوذها يتقلص بهجوم «الكوتيين» عليها؛ وهم أقوام من برابرة الجبال الشمالية والشرقية في العراق، فقضوا على الدولة الفتية القوية السائرة في سبيل الحضارة، واستولى على ديارهم ملوك الكوتيين الجهال الحفاة؛ فاختل حبل الأمن، وعمت مساوئ الجهالة مدة حكمهم التي دامت نحوا من قرن، وكادت شعلة الحضارة الأكدية بجذورها السومرية أن تنطفئ لولا قيام دويلة سومرية في مدينة «لكش» وما حولها، وقد خلفت لنا «لكش» آثارا جليلة في الأدب السومري، ومآثر جليلة في المعابد والقصور والمحلات العامة، وقد كان أحد ملوك هذه الدويلة وهو الملك «كودية» من عظماء الملوك لآثاره الجليلة، وقد حفظ لنا الدهر نماذج رائعة من الأدب السومري من عهد «كودية».
ولما اشتد ضغط الكوتيين على أهل المدن الأكدية تجمعوا بزعامة البطل «أوتو جكال»، فقضى على الكوتيين، وأسس مملكة جديدة في مدينة «وركاء»، ولكن عهده لم يطل؛ إذ ثار عليه أحد أتباعه، وهو حاكم مدينة «أور»، فأسس أسرة حاكمة دامت فترة غير قصيرة من الزمن، عرفت بأسرة «أور الثالثة».