وقد كان عهد هذه الأسرة الحاكمة من أزهى عصور الأكديين؛ لما بلغوه في عهدها من التقدم العلمي والاجتماعي والسياسي، وقد كان عدد ملوك هذه الأسرة خمسة، اشتهروا كلهم بالعمل المثمر والعمران الراقي، والسير في سبيل الحضارة، وخلفوا آثارا فنية قيمة، كما شادوا كثيرا من القصور الفخمة، والمعابد المدرجة الضخمة (الزكورات)، والتي ما تزال أطلالها ماثلة إلى أيامنا هذه.
وعلى الرغم من عظمة ملوك هذه الأسرة، فإنهم لم يستطيعوا إعادة الدولة إلى ما كانت عليه من قبل من القوة والوحدة والسلطان.
ومما هو جدير بالذكر أنهم فكروا جديا بالتآلف مع إخوانهم السومريين، فاتحدت الدولتان وامتزجت حضارتاهما، فكونتا حضارة عظيمة خالدة عرفت بالحضارة السومرية-الأكدية، وقد ظلت في ازدهار نحوا من عشرين قرنا، وهيئت الجو للحضارة البابلية العظيمة، وما جاء بعدها في وادي الرافدين من حضارات. (3) الدولة البابلية
دخل العراق في الألف الثالث قبل الميلاد جيل من العرب يعرف بالعموريين، زحفوا من غربي الجزيرة العربية في سوريا إلى العراق، ويظهر أن الأكديين حين فقدوا نفوذهم السياسي، واشتد خلافهم مع السومريين، ورأوا اضمحلال دولتهم استنجدوا بالعموريين؛ فقدم هؤلاء عليهم بسيول جرارة، سائرين مع الفرات مخلين سهل شنعار بمدنه وقراه، وفي سنة 2050 قبل الميلاد احتلوا بابل، وكانت قرية لطيفة أعجبتهم بحسن موقعها وطيب مناخها، فاعتنوا بها، وجعلوها عاصمة مملكتهم حتى عدت في فترة قصيرة مدينة عظيمة، وتتابع على بابل نفر من الأملاك كان أعظمهم سادسهم الملك حمورابي الذي حكم البلاد من سنة 1948 إلى سنة 1905 قبل الميلاد، فوحد العراق، وقضى على العيلايين الذين احتلوا بلاد السومريين، كما استولى على أراضي آشور والفرات، ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وكان عهده الذي دام ثلاثة وأربعين عاما من أزهر عصور بلاد الرافدين، ثم خلف من بعده ملوك لم يستطيعوا أن يتمموا ما بدأ به وما شيد، فأخذت الإمبراطورية البابلية تنحدر قليلا فقليلا حين ثار الكاشيون من سكان سواحل الخليج العربي وجبال إيران على الدولة البابلية، واقتطعوا منها جزءا، كما تقدم الحثيون من سكان آسيا الصغرى إليها، واستولوا على جزء آخر منها، ولم يستطع الملك شمسوديتاثا الوقوف أمام الغزو الحثي؛ فسقطت بابل في يد الحثيين القساة، وأمعنوا فيها تخريبا وسلبا.
وقد اغتنم الكاشيون في الجنوب فرصة انشغال الحثيين في الشمال بالسلب والنهب والتخريب، فأغاروا عليهم، واستولوا على بابل، وطردوهم من البلاد، وأقاموا أنفسهم حكاما على الديار البابلية في سنة 1750 قبل الميلاد. وكان استيلاء الكاشيين هؤلاء سببا من أهم أسباب التأخر العمراني والانحطاط السياسي في البلاد، وخسرت بابل مركزها العالمي الذي لم تستطع أن تسترده إلا في أيام الكلدانيين بعد عصور.
وقد ظل الكاشيون مسيطرين على البلاد إلى أن طردهم الآشوريون منها، وضموها إلى مملكتهم، وعلى الرغم من أن بابل قد حاولت عدة مرات التخلص من النفوذ الآشوري، فإنها لم تستطع الإفلات من أيدي الآشوريين، وظلت خاضعة لحكمهم إلى أن سقطت مدينة نينوى.
وقد بلغت بلاد الرافدين في عهد البابليين حدا رفيعا في العلم والحضارة تممت به ما بدأه السومريون والأكديون من قبل، وغدت هذه الديار سيدة دول الدنيا، وركيزة حضارات آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ فقد وجد البابليون قبلتهم في بلاد الرافدين حضارة راقية في عمرانها وعلمها وفنها وهندستها وزراعتها وصناعتها وتجارتها وقوانينها وأنظمة حكومتها، فأكملوا ذلك وتمموا من عندهم ما لم يجدوه عن أسلافهم من السومريين والأكديين، ولولا الحضارتان القديمتان في «أكد» و«سومر»، لما استطاع البابليون أن يبدعوا ذلك الإبداع الخلاق في حضارتهم خلال أربعة قرون؛ لأن دولتهم قامت - كما رأينا - حوالي أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، وبلغت أوجها في عهد حمورابي أوائل الألف الثاني قبل الميلاد.