أما كتابتهم، فكانت تتألف من صور وعلامات خاصة عرفت بالكتابة المسمارية؛ لأن أحرفها تشبه شكل المسامير، وكانوا يكتبون هذه الصور والعلامات بقلم من القصب على قطع من الطين الطري الذي يجفف بالشمس أو بالنار، وتعود أقدم هذه الآثار المكتوبة بهذه اللغة إلى الألف الرابع قبل الميلاد، ولم تلبث هذه الكتابة التصويرية أن تحولت إلى كتابة صوتية في حضارة دولة «أوغاريت» التي اكتشفت آثارها مؤخرا قرب مدينة اللاذقية عند رأس الشمرة، وكان هذا التحول مقدمة لاختراع الفينيقيين حروف الكتابة التي نشروها في العالم المتمدن كله فيما بعد.
وأما تنظيم شئون الزراعة، فقد دل عليه عنايتهم بشئون الري، وتجفيف المستنقعات، وردم الأهوار، وإقامة السدود، واختراع الآلات المتقنة للحراثة، ومن بينها آلة تشق الأرض وتلقي البذور في آن واحد، كما أنهم اعتنوا بزراعة النخيل، وتنويعه، وتحسين أجناسه، وقد عثر على بعض الألواح السومرية التي تحض الناس على الاهتمام بتنظيم شئون الزراعة ووقاية المزروعات، والعناية بتحسين أنواعها وأجناسها.
وأما رقي الصناعة والتجارة عندهم، فيدل عليه ما اكتشف من الآثار المصنوعة من النحاس والذهب والفضة والبرونز، فقد صنعوا من هذه المعادن آلات الزراعة والحراثة، وأدوات المنازل والزينة، وعدد الحرب والقتال، وقد كان للسومريين علاقات تجارية واسعة مع سكان سائر العالم العربي والخارجي في الشام والجزيرة وشمال أفريقيا وآسيا الصغرى وبلاد فارس والهند.
وأما تفوقهم في فنون الحرب وصناعة القتال وتعبئة الجيوش، فيدل عليه ما عثر في مدنهم من آلات القتال المتقنة والخناجر والدروع، والرماح والسيوف والخوذ والتروس، وقد كشفت التنقيبات في مدينة «لكش» عن معلومات جد قديمة تتعلق بالأسلحة، وتنظيم حركات الجيوش، وحركات الكر والفر، وعربات القتال.
وأما تقدمهم في الحياة الاجتماعية، فيتجلى ذلك في تقسيم المجتمع عندهم إلى طبقات:
أعلاها:
طبقة الكهنة، ورجال الدين، وقادة الدولة، ورجال السياسة.
وثانيها:
طبقة كبار الموظفين، وعظماء الأحرار، وملاك الأرض، وأصحاب الأطيان.
وثالثها:
طبقة الصناع، والفلاحين، والعبيد.
وقد كان الملك أركاجينا مشهورا بإصلاحاته الاجتماعية والقانونية، ويعد أول مشرع عادل قبل حامورابي لقرون عديدة، وقد كانت قوانينه العادلة تهدف إلى إزالة الظلم عن الطبقات الفقيرة، ونشر العدل بين الطبقات العامية من أرباب الصناعة والفلاحة والرق، وتمنع كبار الموظفين وملاك الأرض وأصحاب الأطيان ورجال الدين والكهنة والقادة ورجال الدولة من ابتزاز أموال الطبقة الثالثة.
وأما تقدم الفنون الجميلة، فلا أدل عليه من التماثيل الرخامية المدهشة التي عثر عليها في مدنهم، كما يدل عليه تقدمهم في فن الريازة وزخرفة المعابد والقصور والقلاع زخرفة فائقة، وقد كانوا على جانب عظيم في علم الهندسة وبخاصة المعمارية، وقد ظهرت آثار ذلك في تخطيط مدنهم وتنظيم شوارعها ومرافقها العامة وقلاعهم، وهم أول من استعمل أسلوب «العقد» في البناء، كما أنهم أول من اخترعوا طرائق صنع «القباب» في العمران.
وتدل ملحمة «جلجامش» أحد ملوكهم في مدينة الوركاء على مبلغ تقدمهم في الفنون الجميلة من نحت وحفر، وصياغة وأدب من شعر ونثر وخطابة، وقد وجدت في المقبرة الملكية في «أور» كنوز ثمينة في تفوقها الفني ونقوشها البارعة، سواء في الرسم، أو في الحفر، أو في النقش، أو في التكفيت.
وأما معارفهم الثقافية العامة، فقد كانت جد مدهشة بالنسبة لزمانهم؛ لأنهم برعوا بالحساب وعلم الفلك، وكانوا يوقتون بالشهر القمري، ويقسمون السنة إلى اثني عشر شهرا قمريا، وكان نظام التعداد عندهم يقوم على الأساس الستيني.
والحق أن الحضارة السومرية هي حضارة جد عريقة، وجد مدهشة، تبهر المرء، وتدل على ما وصل إليه العقل في وادي الرافدين من التقدم، كما تدل على أن العرب قد كان لهم قبل ذلك العصر تاريخ أعمق، ولعل التنقيبات ستكشف عن ذلك. ويذهب بعض المؤرخين المدققين إلى أن هذه الحضارة تفوق الحضارة المصرية القديمة وتسبقها.