تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| الفصل الثانى

في المبعث النبوي (1) في البيئة النبوية ومولده وطفولته

صلى الله عليه وسلم

كان عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (127ق.م.) من أشرف بني قومه، وأجلهم قدرا، وكانت إليه السقاية والرفادة؛ وهي أعظم وظائف الحرم المكي مكانة، وما زالت مكانته تنبل في قومه وفي العرب أجمعين حتى لم يعدل به أحد منهم، وهو الذي كشف عن بئر زمزم، بئر إسماعيل، واستخرج ما كان مدفونا فيها؛ وهي: غزلان من ذهب كانت قد دفنتها جرهم حين أخرجت من مكة، وأسياف قلعية نفيسة، وأدراع ثمينة القيمة، فجعل من الأسياف بابا للكعبة، وجعل الغزالين صفائح ذهبية كسى بها باب الكعبة،

1

وهو الذي خذل الله على يديه أبرهة الأشرم، ودمر أصحاب الفيل، فازداد قدره لدى العرب أجمعين، وكان عبد المطلب مثل أبيه جوادا كريما؛ فقديما سمى العرب أباه هاشما؛ لهشمه الثريد لهم، وإطعامهم إياه في سنوات القحط، ولم يكن عبد المطلب أقل من أبيه سماحة يد ورجاحة عقل وشرف نفس وعلو مكانة.

كانت قريش بيضة فتفلقت

فالمح خالصة لعبد مناف

وكان لعبد المطلب عشرة بنين وعشرة بنات؛ هم: العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبو طالب، والزبير، والحارث، وحجل، والمقوم، وضرار، وعبد العزي، وأبو لهب (2ه)، وحنيفة، وأم حكيم البيضاء وعاتكة، وأمية، ووبرة، وكلهم نبيل وجيه لم يؤثر عنه ما يشينه ولا ما يحط قدره، حتى أبو لهب الذي كان يكره محمدا فقد كان من الأشراف الشجعان والكرماء الباذلين والأقوياء المعتزين بمكانتهم ونبلهم، ولذلك عز عليه أن يغير دينه ويتبع دين ابن أخيه، فعارضه إلى أن قتل بعد وقعة بدر بأيام، ولا بد لنا من وقفة أمام أعمام النبي الآخرين؛ لنبين مكانتهم، وشرف نفوسهم، والبيئة الطيبة التي كانوا فيها.

فالعباس (51ق.ه/32ه) وصفه النبي بقوله: أجود قريش كفا وأوصلها رحما، هذا بقية آبائي، وكان من الأجواد المحسنين، سديد الرأي، واسع العقل، مغرى بإعتاق العبيد، كارها للرق؛ اشترى ثمانين عبدا ورقيقة فأعتقهم، وهو الذي تولى سقاية الحجاج ورفادة البيت بعد أبيه، كما أنه كان يتولى عمارة البيت؛ وهي أن لا يدع أحدا يسب آخر في المسجد الحرام أو يقول هجرا. أسلم في السنوات الأولى من الدعوة، وكتم إسلامه، وأقام بمكة يكتب للنبي أخبار المشركين.

وحمزة (54ق.ه/3ه) هو صنديد قريش وسيدها الجواد القوي النبيل، ولما ظهر الإسلام تردد في الدخول فيه، ثم علم أن أبا جهل بن هشام قد أخذ يتعرض للنبي وينال منه، فقصده وضربه، وأعلن إسلامه، فقالت الناس: اليوم عز محمد وإن حمزة سيمنعه، وكفوا عن الإساءة للمسلمين.

وأبو طالب - واسمه عبد مناف - (3ق.ه )، وكان من أبطال قريش ورؤسائهم وخطبائهم وفصحائهم وعقلائهم وآبائهم، وكان يعيش من التجارة، وهو الذي ربى النبي وحماه، له أياد بيض على الإسلام.

والزبير: كان أكبر أعمامه، وكان وجيها نبيلا فصيحا، رووا أنه كان يرقص النبي في طفولته، ومما كان يقوله له:

محمد بن عيدم عشت بعيش النعم

في دولة ومغنم دام سجيس الأزم

2

والحارث: كان أول ولد ولد لعبد المطلب، ولكنه هلك صغيرا.

وحجل: وكان يسمى المغيرة، وقيل مصعب، ويلقب بالغيداق؛ لكثرة خيره وسعة ماله، وكان أجود قريش وأكثرها طعاما ومالا.

المقوم: وكان من وجوههم وعقلائهم وفصحائهم.

ضرار: وكان فتى قريش وأكثرها نبلا وكرما.

ولم يسلم من أعمامه سوى الحمزة والعباس،

3

وأما بنات عبد المطلب فكن عفيفات شريفات فاضلات شاعرات شجاعات؛

4

أسلمت منهن صفية أم الزبير، وشهدت وقعة الخندق، وقتلت رجلا من اليهود، وضرب لها النبي بسهم.

5

هؤلاء هم أبناء عبد المطلب وبناته، ولم يكن فيهم إلا الجواد الشجاع الفاضل، وأما عبد الله أبو النبي فكان من أنجب أولاده وأحبهم إليه؛ لعقله وأدبه، والرواة يذكرون أن عبد المطلب لما رأى ضيق أهل مكة بقلة الماء أخذ يفتش عن موضع زمزم الذي طمره عمرو بن الحارث الجرهمي؛ لما اضطر إلى مغادرة مكة فارا إلى اليمن، فلما بلغ يسر الله على يديه الكشف عن موضع زمزم، وحفرها، واستخرج كنوز الكعبة.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٤٩