تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نذر لئن جاءه عشرة بنين فليذبحن أحدهم لله قربانا، حتى إذا تكامل بنوه عشرا أتى هبل في جوف الكعبة ومعه أولاده، ثم أعطى كل واحد قدحا - وهو سهم بلا نصل - وكتب كل اسمه على سهمه، ثم أخذ عبد المطلب القداح وأعطاها إلى قيم الكعبة؛ ليضرب بها عند هبل، فضربها القيم فخرج على عبد الله، فقبض أبوه على يده، وأخذ الشفرة، وأقبل إلى إساف ونائلة بين الصفا والمروة؛ لينحره حيث تنحر النسائك، فقام إليه سادة قريش وقالوا لا تذبحه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه وتكون سنة، وأشارت عليه الكاهنة بخيبر أن يقرع بين ابنه وبين ما يدفعون دية للواحد منهم من الإبل وهو عشرة، فقالت له: ارجع إلى بلدك وقرب ولدك، ثم قرب عشرة من الإبل، ثم اضرب عليه وعليها قدحا، فإن خرجت على صاحبه فزد في الإبل، ثم اضرب ثانية، وهكذا حتى يرضى ربك، فإذا خرجت على الإبل فانحرها فقد رضي ربك وتخلص ابنك، وضرب بالقداح إلى أن بلغت الإبل مائة فنحرها

6

وازداد تعلقه بابنه الحبيب، ولما جاء أبرهة إلى الكعبة بفيله ورده الله ابتهج عبد المطلب أعظم الابتهاج، واهتبل ذلك الحين فرصة للاحتفال بزواج ابنه الحبيب، فأخذ يختار له النساء حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا، فخطب إليه وتزوج عبد الله آمنة ابنة وهب، وهي يومئذ أفضل نساء عصرها حسبا وموضعا، وكان ذلك في المدينة في آب (570 للميلاد) وهي السنة المعروفة بعام الفيل، ولكن عبد الله لم يلبث طويلا بعد زواجه، وقد اختلفت الروايات في ذلك؛ فقيل إنه بعد شهرين، وقيل إنه مات بعد سبعة أشهر، وقيل: غير ذلك،

7

ومهما يكن من شيء فإن السيدة آمنة وضعت طفلها صبيحة يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول المصادف لليوم العشرين من نيسان (571)، فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده أن قد ولدت لك غلاما فأته فانظر إليه، فأتاه ونظر إليه فأخذه ودخل به الكعبة، فقام يدعو الله ويشكره على ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، وسماه محمدا، ثم استرضعه في بني سعد، وأعطاه لحليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، فأحبته وعنيت به، وكانت تلاعبه وترقصه، ومن مأثور قولها فيه:

يارب إذ أعطيته فأبقه

وأعله إلى العلا وأرقه

وادحض أباطيل العدى بحقه

8

فلما مضت عليه سنتان جاءت به حليمة إلى أمه، فقالت لها: لو تركت ابني حتى يغلظ، فأنا أخشى عليه وباء مكة، ولم تزل بها حتى ردته معها، فرجعت به وبقي عندها إلى أن بلغ خمس سنوات وشهرا،

9

قال حليمة: وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان،

10

ولما بلغ ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم ومعه أم أيمن حاضنته، فنزلت به «دار التبابعة» فأقامت به عندهم شهرا ثم رجعت به، فلما كانت في طريقها إلى مكة هلكت بالأبواء، فكفله جده ورعاه، وهذبه أحسن تهذيب، ولما أحس بدنو أجله - وكان لمحمد ثماني أعوام - أوصى أبناءه به، وبخاصة أبا طالب، ومما قال في وصيته:

أوصيك يا عبد مناف بعدي

بمؤتم بعد أبيه فرد

فأرقه وهو ضجيع المهد

11

ولما مات عبد المطلب في السنة الثامنة لعام الفيل ارتجت مكة لفقده، وأكثر الشعراء من رثائه وتعديد مناقبه، وفدح المصاب بفقده،

12

وأجمع أبناؤه ووجوه قريش على إسناد السقاية، وهي أجل رئاسات قريش، إلى ابنه العباس، وهو يومئذ أحدث أبنائه، كما عهدوا بكفالة ابن أخيهم عبد الله إلى أخيهم أبي طالب، فتولى أمر تربية محمد وتهذيبه والعطف عليه حتى ألفه محمد، وأصبح لا يطيق مفارقته، ويذكر الرواة أن أبا طالب أراد في السنة التاسعة لعام الفيل أن يخرج للاكتساب والتجارة، وأحس محمد بأن عمه وكافله يريد أن يبتعد عنه، فتعلق به وألح عليه في الذهاب معه؛ فأخذه في رحلة الشام، ويقال إن الركب لما بلغ بصرى الشام، ونزلوا بصرى بقرب صومعة راهب اسمه بحيرا رأى محمدا، فتوسم فيه الخير، ودعا له، وأوصى عمه به،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٥٠