62
وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي تدل على هذا العلم.
الطب والبيطرة والصيدلة
كانت للعرب معارف طبية توارثوها عن أسلافهم أو اقتبسوها من جيرانهم وبخاصة الكلدان، أو اهتدوا إليها بتجاربهم، والطب العربي ذو شقين؛ شق يعتمد على العقاقير والأشربة والمداواة المادية من حجامة وفصد أو كي وقطع وبتر وجراحة، والشق الآخر: يعتمد على الرقى والعزائم والتمائم، ومن أشهر أطبائهم: لقمان الحكيم، وقصصه وأخباره أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة حتى أدرك زمن النبي
صلى الله عليه وسلم
فكان يوصي من مرض أن يستوصفه، ومن الجراحين المشهورين: ابن أبي رومية التميمي. وأما البيطرة والبيزرة فقد برعوا فيها، ونبغ فيها جماعة من أطباء الحيوان والطير أمثال العاص بن وائل، وكذلك علم الصيدلة؛ وهو من متعلقات الطب، وقد تفننوا في معرفة العقار العربي، كما عرفوا الحشائش التي تنبت في بلادهم وفوائد كل حشيشة مع الخصائص لكل نبات، وفي كتب الطب القديم والحيوان والأدب أخبار منثورة كثيرة عن معرفة العرب بالعقاقير والنبات والمفردات الطبية، وأجمع كتاب فيها «مفردات» ابن البيطار الأندلسي المغربي.
علوم الأدب
من نثر وشعر وقصص وأمثال وخطب وغير ذلك مما كانوا يلقونه في المجامع والأسواق والمسامرات من الأخبار والأشعار، وقد تفنن العرب في هذا كثيرا، وليس هاهنا مجال القول فيه.
الكهانة والسحر والعرافة
فالكهانة: هي البحث في أمور المستقبل والتنبؤ، والعرافة: ادعاء علم الماضي وكشفه، والسحر: هو تخييل الأشياء على غير حقيقتها، والتظاهر بخلق الخوارق، أما الكهانة والعرافة فقد كانتا فاشيتين في البيئة العربية منذ زمن سحيق، وقد كان العرب ينظرون إلى الكاهن والعارفة نظرات تقدير واحترام زائدين، وكانوا يفزعون إليهما لحل مشاكلهما الروحية والنفسانية ولتعبير الرؤى، وكان للكهان والكواهن سجع يرددونه في جلساتهم، فبعضه حلو مقبول وبعضه سخيف مرذول يوهمون به الناس حين يدسون فيه بعض الكلمات الغريبة والألفاظ الواسعة المعنى،
63
وكان الكاهن والعارفة العربي يقابل الحبر اليهودي والراهب النصراني، ومن أقدمهم: شق وسطيع وخنافر بن التوأم الحميري وسواد بن قارب.
وأما السحر فكان أمره أقل فشوا من الكهانة، وكان العرب يزعمون أن بين السحرة والشياطين صلات روحية، وأن الساحر قادر على أشياء خارقة، وكان بعض اليهود في الحجاز يتعاطى هذه المهنة، ويقوم بعقد العقد، والنفث عليها، وتلاوة بعض الكلمات السرية أو الغريبة المعاني.
القيافة والفراسة والريافة
فالقيافة: هي تتبع الآثار والاستدلال منها على الأعيان، وهي نوعان: قيافة الأثر، وقيافة البشر، وقيافة الأثر: هي آثار الأقدام والحوافر والأخفاف للاستدلال عليها، وقيافة البشر: هي الاستدلال بهيئات أعضاء الشخص على المشاركة والاتحاد بينهما في النسب، والفراسة: هي الاستدلال بهيئة الشخص وأشكاله وأقواله وحركاته وأعضائه على أخلاقه ومناقبه، ولا شك في أن الذكاء الفطري والسياحة تلعبان دورا كبيرا في هذه المعرفة، وأما الريافة: فهي الاستدلال من تراب الأرض وأعشابها على المياه الجوانية وأمكنتها فيها.
معرفة اللغات الأجنبية
كانت بعض اللغات الأجنبية من كلدانية وسريانية وعبرانية ورومية وحبشية وفارسية معروفة لدى العرب في عصر النبي، وقد أوصى صحابته بتعلمها للترجمة والكتابة بها إلى أصحابها، ويظهر أن هذه اللغات كانت منتشرة بين النصارى واليهود والصابئة المقيمين بين ظهراني العرب، أو عند العرب الذين اعتنقوا تلك الديانات؛ لأن كتبهم الدينية كانت غير مترجمة إلى العربية.
64
ثم إن الرحلات إلى فارس والحبشة والشام وبلاد آشور دفعت العرب إلى تعلم هذه اللغات؛ للتفاهم مع أهلها، وقد ظهر أثر هذه اللغات من آشورية وآرامية وحبشية وقبطية وفارسية ورومية في بعض مفردات الشعر الجاهلي والحديث النبوي والقرآن الكريم.