تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معرفة أخبار الماضين وأنسابهم من العرب والأعجميين

ففي القرآن والشعر الجاهلي وكتب الأخبار كثير من النصوص التي تعرفنا شيئا عن معرفة أهل الجاهلية بأخبار الأمم الماضية، وبخاصة أخبار عرب الجزيرة من ملوك اليمن وحضرموت ومدائن صالح وشبه جزيرة سيناء والأحقاف وعرب العراق والشام وقصص الأنبياء والرسل وتواريخ الأمم والشعوب، وقد قص القرآن من هذه المعلومات، وفصل في أخبارها وأحوالها وحضاراتها وغيرها، والقصص القرآني التاريخي رائع بأسلوبه دال على سمو منزلة القصة عند العرب، وقد احتوت كتب السيرة الشريفة والحديث النبوي والتفاسير كثيرا من الروايات والقصص التفصيلية التي أجملها القرآن أو أشار إليها إشارات خفيفة، على الرغم من أن بعضها قد وضع بعد الإسلام إلا من الكثرة الكاثرة التي تشتمل عليها هذه الكتب؛ لتدل على أن العرب كانوا ملمين بهذه الأخبار مطلعين على أحوالها وأمورها، وفي القرآن إشارات إلى معرفة العرب قبل الإسلام بهذه الأخبار؛ ففي سورة هود آية (49) جاء ما يلي - بعد أن سرد أخبار قصة نوح:

تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ، وفي سورة يوسف آية (102):

ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ، وقال ابن هشام في السيرة: إن النضر بن الحارث كان ذهب إلى فارس وتعلم قصص إسفنديار ورستم، ثم رجع إلى الحجاز وأخذ يقصها على الناس،

58

ويظهر أن العرب كانوا قد دونوا بعض هذه الأخبار والتواريخ القديمة، ومن عبارة القرآن

أساطير الأولين اكتتبها

و

إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين

59

يفهم ذلك، وقال ابن هشام إن سويد بن صامت لقي النبي

صلى الله عليه وسلم

في موسم فدعاه إلى الإسلام، فأجابه: لعلك تدعو إلى ما في هذه المجلة، ثم أخرج «مجلة لقمان» وعرضها عليه.

60

ومما يتعلق بهذا الباب من العلم أخبار العرب وحروبهم وأيامهم وفرسانهم وأسماؤهم، ومن أشهر قصصهم المتوارثة قصص مأرب، وسيرة أصحاب الأخدود، وقصة الفيل، وقصة ذي يزن الحميري، وقصة عمرو بن لحي صاحب عبادة الأصنام في الجزيرة، وقصص عاد وثمود وبلقيس وما إليها، ومما يتعلق بهذا الباب أيضا: أخبار أنساب العرب، وقد كان للناس بها عناية شديدة، منذ أقدم العصور للتناصر والتفاخر، وكثر النسابون في الجاهلية، ولم تخل قبيلة أو بطن، أو فخذ، أو فصيلة من عالم أو نسابة، ومن أشهر علماء النسب: عميرة أبو ضمضم، وابن لسان الحمزة التميمي، وزيد بن الكيس النمري، والتمار بن أوس القضاعي، وصعصعة بن صوحان، وعبد الله بن الحجر، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب.

61

معلومات جغرافية

كان للعرب في جاهليتهم رحلات وأسفار برية وبحرية يقوم بها الحجازيون واليمانيون، وقد كانت رحلاتهم البرية تبدأ من اليمن إلى الشمال فمشارف الشام ووادي الكنانة وديار الرافدين، ولا غرو في أنهم كانوا يعرفون دروب هذه البلاد وطرقاتها كما كانوا يعرفون المعلومات الضرورية عن أحوال البلاد التي يزورونها، ويدل سفر المسلمين حين ضاق عليهم الأمر في مكة في أول الدعوة الإسلامية على أن الصلات كانت طيبة بين الجزيرة العربية وبلاد الحبشة النصرانية، وأن هناك روابط تجارية كانت تربط بين البلدين، ثم إن هذه الرحلات البحرية تقضي بأن يكون أصحابها عارفين بأحوال البحر مطلعين على أمور الملاحة، فاهمين لأحوال الجو والرياح والأنواء.

معلومات فلكية وطبيعية

ذكر الأقدمون من المؤرخين أن العرب كانوا ذوي معرفة بأحوال النجوم ومنازل الشمس والقمر والأفلاك وحركاتها والاهتداء بها في البر والبحر والأسفار الليلية والنهارية، كما ذكروا أنهم كانوا ملمين بالأحوال الجوية ومهاب الرياح، وكانوا ينسبون ذلك إلى طلوع بعض الكواكب وغروبها، ويسمون هذا «علم الأنواء»، وكانوا يعتقدون أن الأنواء أو النجوم التي تسبب الأمطار والرياح والحر والبرد هي «28» نجما، ولكل واحد اسم، في الشعر الجاهلي والأمثال والخرافات المتوارثة عن الجاهلية شيء كثير عن معلوماتهم بأحوال الجو والفلك والفصول، ولا ريب في أن كثيرا من معلوماتهم الفلكية والجوية قد استفادوه من الأقوام الذين رحلوا إليهم من كلدان وصابئة، وقد أخذ العرب أسماء النجوم والشمس والقمر واصطلاحاتها ومنازلها من الكلدانيين،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٤٧