تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم

بأسلوب يدل على حفاوة عظيمة، وأن ثانية آيات نزلت بعدها على ما عليه كثير من الرواة هي آيات سورة القلم الأولى التي أقسم الله فيها بالقلم والكتابة:

ن والقلم وما يسطرون ، مما يدل كذلك على حفاوة بالغة ازداد قولنا قوة وتأييدا.»

51

فهذا يدلك على كثرة الكتاب بين الناس في صدر الإسلام، وأن الأمر لم يكن كما ذهب إليه المؤرخون القدامى من أن كتاب مكة يوم جاء الإسلام لم يتجاوزوا السبعة عشر.

وأما الأدلة العلمية الحديثة فقد بحثها المستشرق المؤرخ الإيطالي البرنس كايثاني في الفصل الذي كتبه، نشأة الخط العربي، وأثبت فيه بالأدلة المادية والاكتشافات النقشية والوثائق الخطية، وبخاصة في الشام والجزيرة، أن الخط العربي قديم الوضع، وأن الكتابة كانت رائجة في الجزيرة ومشارف الشام قبل البعثة النبوية بكثير،

52

ثم إن وجود الكتابيين بكثرة في الحجاز واليمن ومشارف الشام من يهود ونصارى، وصلتهم القديمة بالعرب؛ يجعل العرب من متهودين ومتنصرين يفيدون من إخوانهم وجيرانهم، فيتعلمون الكتابة والقراءة حتى الكتابة غير العربية من عبرانية وسريانية ورومية، وقد أمر النبي

صلى الله عليه وسلم

كاتبه زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بتعلم العبرية، كما روى البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي أن ورقة بن نوفل كان قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب العبرانية، ويظهر أن الكتاتيب كانت معروفة في الجاهلية في البدو كما كانت معروفة في الحضر، فالمؤرخون يذكرون أن يوسف الثقفي أبا الحجاج كان معلم كتاب في الطائف،

53

ونقل السيد الكتاني عن الماوردي في أدب الدنيا والدين نقلا عن ابن قتيبة : «أن العرب كانت تعظم قدر الخط، وتعده أجل نافع حتى قال عكرمة: بلغ قراء أهل مكة أربعة آلاف، حتى إن الرجل ليغاوي على أنه يعلم الخط لما هو مستقر في نفوسهم عن عظم خطره، وظهور نفعه وأثره، قال الله لنبيه:

اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم ، فوصف نفسه بأنه علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم، عد ذلك من نعمه العظام ومن آياته الجسام حتى أقسم به في كتابه، فقال:

ن والقلم وما يسطرون ، فأقسم بالقلم وما يخط بالقلم ...» هذا يبطل ما قاله ابن خلدون من جهلهم بالخط، فإن عكرمة كان يتكلم عن مشاهدة، وابن خلدون قال ما قال عن تخمين،

54

ويشير السيد الكتاني بهذا إلى ما قاله ابن خلدون من أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية، وأن العرب كانوا بعيدين عنها؛ لأنهم كانوا بداة بعيدين عن الحضارة غير مجيدين لها، شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو فلا تكون محكمة المذاهب ولا مائلة إلى الإتقان والتنميق

55

إلى آخر ذلك الكلام الطويل المبني على التخمين والزعم البعيد عن التحقيق العلمي الصحيح. هذا وقد كان للنبي كتاب بلغ عددهم ما ينيف على الأربعين،

56

وكان أكثرهم من الشبان المكيين والمدنيين، ولا شك في أنهم قد تعلموا الخط والقراءة وما إليها في بعض كتاتيب البلدين، والكتاتيب كانت معروفة في بلاد الشام ومصر والعراق قبل الإسلام، فلا غرابة إذا نقل القريشيون ذلك عنهم في رحلاتهم التجارية، كما أن الجوالي النصرانية واليهود في الجزيرة قد كانت تعلم أبناءها في مدارسها وكنائسها، وليس بعيدا أن يكون جيرانهم العرب قد أفادوا ذلك منهم.

أما ما كان يعلم للأطفال في الكتاتيب فليست لنا به أية معرفة جازمة به، ولم ترمز آثار إليه، ولكن بالقياس على ما كانت عليه الكتاتيب في العصر الإسلامي نذهب إلى أنهم كانوا يتعلمون مع القراءة والكتابة شيئا من مبادئ الحساب، ورواية الشعر القديم، والحكم المأثورة، وأخبار الماضين وقصصهم، وأنساب العرب الأقدمين وأحوالهم.

57

بعد أن بينا أن الكتابة والقراءة كانتا منتشرتين انتشارا ملموسا في الجاهلية في الحواضر ، وأن بعض أهل البادية كانوا قد ألموا بها بعض الإلمام، وأن العرب كانت لهم في جاهليتهم كتاتيب يعلمون فيها أبناءهم؛ ننتقل إلى بيان علوم العرب وثقافتهم، فنقول إنها كانت:

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٤٦