تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

48

ويظهر أن هذه النصوص هي صورة لما كانت عليه اللغة العربية في هذه العصور، وأنها ما زالت تتطور وتترقى حتى بلغت تمامها في الشعر الجاهلي أيام امرئ القيس ومن بعده، وهذا طبيعي فإن اللغة كسائر الكائنات الحية تمر بأدوار كثيرة، ويدخلها كثير من أحوال الحياة من نشوء ونمو وارتقاء وتفرع وانقسام، وإن أرقى عصور اللغة العربية كان في القرن السادس وفي الحجاز، فقد ارتقت فيه اللغة، وزادت المفردات، واتسعت أخيلتها، ودخلها كثير من الألفاظ الأجنبية مما اقتضته الحضارة العالمية والتقدم ونظام النشوء على النمط الذي نراه في شعر المعلقات وغيرها من عيون الشعر الجاهلي الإسلامي.

ولما ظهر الإسلام اتسعت اللغة العربية لتعاليمه وسعة مصطلحاته ومعانيه، وقد كانت هذه اللغة متحضرة في جزيرة العرب وجزيرة سيناء وديار الشام وبادية الجزيرة وما بين النهرين، وقد كان لسكان هذه الديار الواسعة لهجات ولهيجات تختلف قربا وبعدا عن اللغة الأم الفصيحة؛ فلهجات أواسط الجزيرة كانت أفصح اللهجات لبعدها عن الأعاجم من فرس وأحباش وروم وقبط ونبط، ويليها في الفصاحة لهجات عرب مشارف الشام، قال الأستاذ جرجي زيدان: «أكثر سكان أواسط جزيرة العرب من قبائل مضر، وكانت أعظمها يومئذ «تميم» في شرقي نجد وشمالها، و «غطفان» عبس وذبيان، و«سليم» وغيرهما في نجد، وأرقاها قريش في مكة، وكان من القبائل القحطانية هناك طي في نجد، ومذحج في أطراف الحجاز، وأكثر سكانها في الشمال من ربيعة، وفيهم «بكر» و«تغلب» في بادية العراق في الجزيرة، فلغات هذه القبائل كانت تختلف بعضها عن بعض باختلاف أحوالها ومساكنها، وكان الاختلاف على معظمه بين لغات اليمن ولغات الحجاز ونجد؛ أي بين جنوب الجزيرة وشمالها، وأحسن مثال للغات الجنوبية ما خلفه الحميريون من الآثار بالحرف المسند، وأحسن مثال للغة الحجاز لغة القرآن وشعر الجاهلية، والفرق بين اللغتين كبير.»

49

ولا شك في أن الرقي اللغوي دليل على الرقي العقلي، ونحن إذا دققنا لغة الشعر الجاهلي نجدها لغة ممتازة في نحوها وصرفها وأفكارها ودقة تعبيرها. (3)

مستواهم العلمي والأدبي: النظرية الشائعة لدى أكثر من كتب عن عرب الجاهلية هي وصفهم بالأمية، وجهلهم الكتابة والقراءة،

50

وانحطاطهم العلمي، وقلة بضاعتهم في المعرفة؛ لأنهم كانوا بداة جفاة أميين يعيشون في الصحراء، لا حضارة ولا مدنية عندهم، وغاية ما امتازوا به هو إجادتهم في القول من شعر وخطابة، وبراعتهم في رصف الجمل المتناسقة، والأسجاع الموفقة، وهذا الوصف على الرغم من تناقضه وتهافته لا يستند على حقيقة، ولا يقوم أمام المناقشة؛ فلا يعقل أن يكونوا فصحاء شعراء إذا لم يكونوا مثقفين كتابا ذوي مستوى علمي حسن، وتفكير منطقي معقول، وذوق فني راق، أما أميتهم فوصف خاطئ لا ينطبق على الحقيقة، وتنقضه نصوص موثوقة قديمة وأدلة علمية حديثة، أما النصوص العلمية القديمة: فأجلها ما في القرآن الكريم من آيات كثيرة تذكر الكتاب والكتابة وأدوات الكتابة والصحف والسجل والمداد والأقلام وما إليها مما يتعلق بالخط، حتى إن الأستاذ العلامة محمد عزة دروزه قد أحصى كلمات الكتابة ومشتقاتها في القرآن الكريم فوجدها أكثر من ثلاثمائة كلمة، كما أحصى كلمات القراءة ومشتقاتها فوجدها نحو تسعين مرة ونيف بأساليب متنوعة، وقد علق الأستاذ العلامة على هذا بقوله: «فورود هذه الآيات الكثيرة في القرآن تحتوي أسماء ووسائل وأدوات القراءة والكتابة، وتحتفي بالقراءة والكتابة هذه الحفاوة الكبيرة؛ دليل واهن على أن العرب في بيئة النبي

صلى الله عليه وسلم

وعصره قد عرفوا تلك الوسائل والأدوات واستعملوها، وعلى أن القراءة والكتابة فيهم كانتا منتشرتين في نطاق غير ضيق، فكثرة الترديد تدل على الألفة، وهذه لا تكون إلا حيث يكون المألوف ذائعا ذيوعا غير يسير، وإذا لاحظنا أن أولى آيات القرآن هي ...

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٤٥