تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك أصنام أخرى غير هذه عددها ابن الكلبي،

43

وقال: إن أجل الأصنام مكانة عندهم؛ «مناة، واللات، والعزى»، أما مناة فكانت منصوبة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة ومكة، ويليها في المكانة «اللات»، فكانت صخرة مربعة في الطائف، ثم «العزى»، وهو أحدث الثلاثة، وهي شجرة بوادي نخلة على بعد تسعة أميال من مكة، وكانت أعظم أصنام قريش ينذرون لها، ويذبحون عندها،

44

وهناك رواية تقول: إن هذه الأصنام الثلاثة كانت منصوبة في فناء الكعبة،

45

وكانوا يستفتحون عندها ويستقسمون بالأقداح لديها لحل مشاكلهم أو الاستخارة وما إلى ذلك، ويظهر أن أكثر أصنام الكعبة حظوة في الاستخارة هو «هبل»،

46

ويظهر أن العرب أخذوا - من أواسط القرن الخامس للميلاد حينما قوي اتصالهم بأهل الكتاب - يتحسسون بحطة الوثنية المادية التي كانوا عليها، ويحاولون السمو بأفكارهم إلى تنزيه الإله الأعظم، وقد كان «لليهود» والنصارى وحنفاء العرب أثر فعلي في إيجاد هذه الروح، ويفهم من تتبع آي القرآن وبعض الأحاديث النبوية والروايات والأخبار الجاهلية أن مجادلات ومناقشات كانت تقوم بين العرب وأهل الكتاب، وأن شيئا من التبجح والخيلاء كان يبدو من أهل الكتاب وبخاصة اليهود على العرب، وقد أثارت هذه الأمور غيرة العرب وعزتهم، وأذلت فيهم روح الحماسة الدينية، وجعلتهم يتطلعون إلى رسالة من السماء ترفع من قدرهم، وتعلمهم الكتاب:

ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (سورة البقرة: آية 129)، وقد كان اليهود يخبرون العرب بقرب بعثة نبي منهم، ويقولون لهم إنه سيكون منهم نبي، ولكنهم أخذتهم العزة حين جاءهم على يد محمد:

ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ، وصفوة القول أن العرب في جاهليتهم كانوا على مستوى عقلي رفيع، وبرهان ذلك ما رأيناه في نظرتهم إلى الألوهية، وما سنراه في لغتهم الرفيعة وحكمتهم الموروثة وأشعارهم المتناقلة وأمثالهم المتداولة. (2)

تفوقهم اللغوي: إن من يدرس اللغة العربية بنحوها وصرفها واشتقاقها وعروضها وفنونها البلاغية يرى أن القوم قد بلغوا درجة رفيعة في الرقي والمستوى اللغوي.

اللغة العربية هي إحدى اللغات المعروفة باللغات السامية، وهي: الآشورية، والبابلية، والكنعانية، والفينيقية، والسريانية، والآرامية، والعبرية، والحميرية، والحبشية - وعلى الرغم من كون هذه اللغات توالدت من أم واحدة في عصور متباعدة - أقدمها الآشورية والبابلية التي ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وأحدثها العربية التي ترجع إلى ما قبل القرن الثالث بعد الميلاد، فإنها تختلف اختلافا كبيرا فيما بينها، كما أنها تختلف فصاحة ورقا، ويظهر أن أرقى اللغات السامية وأفصحها وأوسعها هي اللغة العربية، وأن أقدم النصوص العربية الفصيحة التي عثر عليها ترجع إلى الفترة التي تمتد من القرن الثالث بعد الميلاد إلى القرن الخامس، وهذه النصوص هي الشعر الجاهلي والحكم الجاهلية، ولكن من يدقق في هذه النصوص يجدها كاملة مهذبة ذات نمو متسق وصرف منظم وقواعد عروضية وشعرية راقية، ولا شك في أن اللغة العربية قد مرت بأطوار بعيدة العهد تطورت فيها، وتدرجت إلى هذا الكمال الذي وجدناه في الشعر الجاهلي، ثم في القرآن، ومما يؤيد هذا أن المستندات الكتابية الحجرية التي عثر عليها الأستاذ ليتمان

Littmann - في جبل الصفا بحوران - والبرفسور وتسيتين

Wetzstein

قنصل ألمانيا في أواسط القرن الماضي بالشام،

47

وهي نصوص تتعلق بتاريخ تلك البقعة وسكانها وأنسابهم وقبائلهم وعقائدهم، وهي مكتوبة بلغة عربية قريبة جدا من الفصحى ومسطرة بحروف الخط الصفوي المشتق من الخط السيئي في القرن الثاني والثالث بعد الميلاد، والذين كتبوا هم قوم من القبائل العربية من إخوان الغساسنة، وأكثرها يتعلق بأنسابهم وأعمالهم المجيدة وحياتهم وطريق رعيهم للإبل والماشية، وحروبهم مع الرومان والفرس، كما أنها تضمنت كثيرا من عقائدهم الدينية وآرائهم في الآلهة والملائكة والجن وما إلى ذلك، ولغة هذه النصوص عربية تشبه لغة الشعر الجاهلي مع وجود بعض الاختلافات النحوية التي تجمع بينها وبين اللغات السامية الأخرى،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٤٤