مقدمة
إن معلوماتنا عن الحركات العقلية في «الجاهلية» هي معلومات ضئيلة لأسباب كثيرة، «منها»: أنه لم يصلنا أي أثر مكتوب موثوق عن ذلك العصر، وعن مدارك أهله في النواحي العقلية أو العلمية إلا الشعر وبعض الأقوال والحكم المنثورة التي لا تغني كثيرا في هذا الباب، «ومنها»: أن كل من كتبوا عنه من المسلمين أو أكثرهم صوروا ذلك العصر صورة قبيحة مغرقة في الجهالة؛ ليبينوا فضل الإسلام، وعمق أثر الحركة الإسلامية، «ومنها»: أن دراسات علمية صحيحة تعتمد على علوم الأركولوجيا والأتتوغرافيا والفيلولوجيا لم توجد بعد، «ومنها»: طول العهد وامتزاج التاريخ العربي بالأساطير والخرافات، مما جعل تمييز الصحيح من المدخول أمرا عسيرا، «ومنها»: أن كتابات المستشرقين كتابات لم تخل من الغرض - ككتاب المسلمين - ولم يكتب من كتب منهم في هذا الموضوع إلا وهو مغرض، وعلى رأسهم كاتبان: وغولدزبير وماسينيون وديمومبين وغيرهم من أعلام المستشرقين؛ لهذا كله أرى أن القرآن هو خير ما يمكن الاعتماد عليه - الآن - في تبيين الحياة العقلية قبل البعثة النبوية عند العرب قبل الإسلام، كما أرى أن نتريث الآن في أحكامنا على تاريخ العرب قبل الإسلام إلى أن توجد الأدلة والبحوث الصحيحة، ونكتفي الآن بدراسة القرآن والتنقيب داخل سطوره وتحتها، والاستعانة بما نقل إلينا من شعر الجاهلية وشعر صدر الإسلام؛ لأنه قوي الارتباط «بالجاهلية»، معتمد على ثقافتها، قائم بمقوماتها، وسيرى القارئ لهذا البحث أن أكثر الصور التي صورها المؤرخون والباحثون «للجاهلية» هي صور مغلوطة خاطئة، وإن من الجناية على الحقيقة والتاريخ أن نسمي هذا العصر «بالجاهلية»؛ لأنه بعيد كل البعد عن «الجهل» و«الجهالة».
يذهب بعض الباحثين من المستشرقين مثل البروفسور كولذريهم في كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام»،
35
ومثل «البرنس كابتاني» في كتابه «سني الإسلام»؛
36
إلى أن نمو الإسلام وتكونه متأثران تأثرا عميقا بالأفكار والآراء الهيلينية، وأن نظامه التشريعي متأثر بالفقه الروماني، وأن تصوفه وفلسفته ليس إلا تمثلا لتيارات الأفكار الهندية والأفلاطونية الحديثة، وأن الإسلام قد صهر ذلك كله، وأخرج للناس مجموعة أفكار نشرها بين الناس باسم دين جديد. ويغالي كولدزيهر فيقول: إن تبشير النبي العربي ليس إلا مزيجا منتخبا من معارف وآراء دينية عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية أو المسيحية وغيرها التي تأثر بها تأثرا عميقا، والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقية عند بني وطنه ... لقد تأثر بهذه الأفكار تأثرا وصل إلى أعماق نفسه، وأدرك بإيحاء قوته التأثرات الخارجية، فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحيا إلهيا، وأصبح - بإخلاص - على يقين بأنه أداة لهذا الوحي.
37
ويقول المستشرق الفرنسي البارون كارا دي فو: «يرى المسلمون أن التشريع الإسلامي - الفقه - ذو علاقة قوية بالدين، بل هم يذهبون إلى أنه جزء منه، وأن الفقه مأخوذ كله من الوحي - أي القرآن - كسائر أجزاء الدين، ولما كان في القرآن شيء من الإيجاز فقد عمدوا إلى توضيحه بالآثار - أي بسنة النبي والصحابة والتابعين - هذه هي النظرية الأساسية، وبناء عليها ذكر الفقه في الكتب الإسلامية على أنه بعد القرآن والآثار الإسلامية من غير إشارة إلى أصولها الأجنبية قط. وهذه النظرية لا تثبت عند النقد، وإذا قرأ إنسان بعض آيات الأحكام، ثم قرأ صحيفتين من أصل مبسوطات الفقه رأى الفرق الواضح بين الاثنين، فذلك نص ساذج عليه مسحة البداوة، وهذا تحليل منطقي علمي دقيق عليه آثار الثقافة، ذاك شبه مسودة جافة بالية قائمة في الصحراء، وهذا بحث ممحص معقول متسق مع التطور المدني. هاتان هما حالتا الإسلام اللتان ينبغي شرحهما، فمن أين جاءت قوانين القرآن؟ ومن أين جاءت قوانين الفقهاء؟ ... ولست أريد أن أنكر - بادئ الرأي - طرافة القرآن، ولكني لا أرى مساغا من الإشارة إلى أن تلك القوانين الفقهية متأثرة بالتلمود والقانون المسيحي، وقد تكون بقايا العادات العربية القديمة قد وجدت لها منفذا في بعض الأحوال.»