تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38

وهناك أقوال لمستشرقين آخرين، أمثال: ديموين في كتابه: «النظم الإسلامية»، وكولدزير في مقاله عن الفقه الإسلامي في دائرة المعارف الإسلامية، وساتتلانا المستشرق الإيطالي في مشروعه للقانون المدني التونسي الذي وضعه سنة 1899، وفون كرامر في «مباحثه الإسلامية» وواضح من هذه الأقوال أن روح التعصب المقيت السخيف قد أملتها؛ لأن صلات النبي

صلى الله عليه وسلم

وصحابته - رضي الله عنهم - باليهود والنصارى لم تكن صلات قوية بحيث يتدارس النبي وصحابته مع اليهود والنصارى، ويفيدون منهم هذه الفوائد العقلية التي تجلى أمرها في القرآن والحديث والآثار، ثم إن يهود الجزيرة ونصاراها كانوا يهودا مستعربين أو بداة، يعيشون مثل معيشة العرب ويفكرون مثل تفكيرهم، ولم يكونوا أرقى منهم مستوى ولا أفضل منهم درجة، وإذا قرأنا الشعر اليهودي العربي الذي خلفه يهود الجاهلية أو صدر الإسلام نرى أنه شقيق الشعر العربي الذي قاله العرب في أفكاره وألفاظه ومعانيه، وفي هذا دليل على أن القوم - من عرب ويهود بل ونصارى - كانوا على صعيد فكري واحد، وإن تمسك اليهود والنصارى بدينهم ولم يكن تمسكا مشينا ولا معرفتهم بدينهم إلا معرفة ضحلة، وإلا ظهر ذلك في أقوالهم وأشعارهم وحكمهم.

هذه مذاهب المستشرقين في تبيين العقلية العربية الإسلامية، ولم يفكر واحد منهم بدراسة أوضاع العرب قبل الإسلام، والفحص عن حالتهم العقلية ومستواهم الفكري، وإنه من المعقول جدا أن يتأثر النبي

صلى الله عليه وسلم

وكبار صحابته ببيئتهم العربية قبل أن يتأثر بالبيئات الأجنبية الغريبة عنهم؛ لهذا كله نرى أن من واجب الباحثين أن ينصرفوا إلى دراسة عصر ما قبل الإسلام؛ ليبينوا حقيقة ما كان عليه القوم والدرجة الثقافية والعقلية التي كانوا عليها. إن أركان الدين المحمدي هي خمسة: الشهادة بالتوحيد، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج.

أما التوحيد: فقد عرفه العرب في الجاهلية لا خاصتهم فحسب مثل: خالد بن حسان العبسي الحكيم المتأله (40 ق.ه)،

39

وأكثم بن صيفي الواعظ الراشد (9ه) ... بل عامتهم، وليس هذا بالقول العجيب؛ فإن الحقيقة التي جاء بها إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام - والنبي تقول بتوحيد الله، وتصفه بالكمال والجلال والقدرة، وغير ذلك من صفات التنزيه؛ كانت معروفة بل وشائعة بين العرب، وإن الأصنام والأوثان والآلهة المتعددة وما اخترعته عقول العرب ما كانت إلا لتقربهم إلى الله زلفى، و

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (سورة الزخرف: آية9)، و

ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله (سورة يونس: آية 18)، و

هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين (سورة يونس: آية 22).

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون * الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم * ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (سورة العنكبوت: آية 61-63)، فهذه الآيات تدل على إيمانهم بالله القوي الجبار الخالق الضار النافع الخالق الأعظم الرزاق، وأن هذه الأصنام والتماثيل وسائط وشفعاء لديه.

وأما الصلاة فما هي إلا أدعية وحركات تعبدية مع التوجه إلى الكعبة، وقد كانت للعرب قبل الإسلام صلوات ذات طقوس وحركات وأدعية كما تدل عليه الآية:

وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (سورة الأنفال: آية 35)، قالوا: والمكاء هو التصفير والتصدية هي التصفيق، وكلمة «الصلاة» في هذه الآية تعني أن العرب كانت لهم في جاهليتهم صلاة ذات طقوس دينية معينة، وليس هذا صحيحا ما يقرره الفقهاء من أن كلمة «الصلاة» كانت تعني في الجاهلية الدعاء وحسب وأنها خصصت في الإسلام فقط لهذا النوع من العبادة، ثم إن ذكر المكاء والتصدية يفهم منه أنه كانت لهم حركات وأنغام في صلواتهم، وليس هذا غريبا فقد أمر الله إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - أن يطهرا بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود (سورة البقرة: آية 125، وسورة الحج: آية 26)، فلعل بعض هذه الطقوس الصلاتية قد بقيت عند عرب الجاهلية؛ بل تكاد تؤكد ذلك؛ لما روي من أن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العباد الموحدين الحنفاء في الجاهلية كان «يسجد» أمام الكعبة.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٤٢