وأرى قبل أن أنتقل من الكلام عن الحج أن أبين بإيجاز طقوس الحج الإسلامي؛ ليتبين القارئ هل كانت ثمة فروق بين الحج في الجاهلية والحج في الإسلام، قال المسلمون: إن الحج واجب في العمر مرة على كل مسلم أو مسلمة حر بالغ صحيح مالك للنصاب، وله فروض وواجبات وآداب؛ أما فروضه، فهي: الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة، وأما واجباته: فالوقوف بمزدلفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار وطواف الصدر والحلق، وأما آدابه فما عدا ذلك. وكل من يريد الحج عليه بالإحرام؛ وهو دخول الحرم المكي في الموسم، ولبس إزار ورداء طاهرين غير مخيطين، وأن يتقي الرفث والفسوق والجدال وقتل الصيد والتطيب وقلم الأظفار وقص الشعر، ويكثر التلبية وإذا دخل مكة كبر وهلل واستقبل الحجر الأسود واستلمه ثم طاف طواف التحية، ثم يصعد نحو الصفا ويدعو ربه، ثم يسعى نحو المروة فيصعدها ويدعو بفعل ذلك سبع مرات، ثم يسكن بمكة محرما، ثم يطوف بالبيت نفلا متى شاء، وفي ثامن ذي الحجة يخرج إلى منى فيمكث إلى فجر يوم عرفة، ثم يذهب إلى عرفة في اليوم التاسع، وعند الغروب يأتي المزدلفة، فإذا أسفر الصبح أتى منى ورمى جمرة العقبة بسبع حصوات، وكبر لكل حصاة، ثم حلق شعره، وحل له كل شيء إلا النساء، ثم يطوف طواف الصدر فطواف الزيارة بعد طلوع فجر يوم النحر، وبه تحل له النساء، ثم يأتي منى ويرمي الجمرات الثلاث بسبع حصوات بعد زوال ثاني يوم من أيام النحر، ثم يأتي مكة فيطوف طواف الوداع، وهكذا ينتهي.
فأنت ترى أن الإسلام قد أبقى على كثير من التقاليد التي كان العرب يفعلونها قبل الإسلام، وذلك مما توارثوه عن أبيهم إسماعيل، كما أنه ألغى ما اخترعوه مما لا أصل ديني له.
القضاء
ليست لدينا معلومات وافرة ثابتة عن أحوال القضاء والخصومة لدى العرب في العصر الذي سبق عصر النبي، وإنما نستطيع أن نفهم من بعض الأخبار المنشورة في تاريخ الجاهلية القليل المضطرب، وشعرها، وبعض نصوص القرآن وحكاياته لأحوال القوم قبل عصر الإسلام؛ أن الناس كانوا يتحاكمون في حل مشكلاتهم القضائية والجنائية إلى قضاة سمتهم البيئة العربية إلى هذا المنصب؛ لما امتازوا به من علم وعقل وحكمة وحنكة، وقد كان هؤلاء الحكام الحكماء يقضون في القضايا الحقوقية والقضايا الاجتماعية من ميراث ونكاح وديون وديات ودماء وأموال وأنساب ومفاخرات ومناظرات، وقد حفظ لنا التاريخ أسماء نفر من قضاتهم وحكمائهم وحكيماتهم، أمثال: أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، وجمعة بنت حابس، وخصيلة بنت عامر.
نظام الطبقات الاجتماعية
العرب ديمقراطيون لطبيعة البداوة، ولكن هذا لم يمنع من وجود نظام طبقي، فهناك طبقة الأرقاء، وطبقة الموالي، وطبقة العامة، وطبقة الأشراف، وطبقة الحمس، وطبقة الحكام، وطبقة الزعماء، أما الأرقاء: فهم العبيد والإماء المسبيون أو المجلوبون، وكانوا يعاملون بقسوة، وقد أبقى الإسلام الرق، ولكنه دعا إلى رحمته وفك رقبته، وأما الموالي: فهم طبقة من العرب المستضعفين الذين التجئوا لبعض القبائل القوية كما أسلفنا، وأما العامة: فهم سواد الأمة العربية كالرعاة والعمال والزراع، وأما الأشراف: فهم الرؤساء والشيوخ والسراة، وقد كانت لهم الوجاهة على الطبقة العامة، ولهم تمثيلها في النوادي والمجالس، ولهم الحقوق والمزايا التي توارثوها كابرا عن كابر، وأما الحمس أو الأحماس: فهم رجال كانوا من أشرف القبائل العربية توارثوا عن آبائهم بعض الخصائص الدينية، فترفعوا عن الناس في المواسم الدينية في مكة والطائف في الطواف والإفاضة والإنساء، وأما طبقة الحكام: فهم عقلاء القبائل وحكماؤها وقضاتها يدين الناس بفضلهم وعقلهم، ويخضعون لحكوماتهم وأمرائهم، ويقدمون إليهم الهدايا والعطايا، وأما طبقة الزعماء: فهم السادة الأعلون توارثوا زعامة قبائلهم، وفرضوا طاعتهم على قبيلتهم وعلى أحلافهم، وذاع صيتهم في الجزيرة العربية. (1-5) الحالة العقلية