الحج
ذكرنا بعض شئون الحج في الفصل الخامس بالحياة الدينية، ونتوسع هنا في بيان أحوال الحج، ومناسكه، وتقاليده؛ لأنها تتعلق بالحياة الاجتماعية تعلقا قويا، لأن الحج لم يكن مقصورا على طائفة بعينها أو نحلة مخصوصة؛ وإنما كان للعرب أجمعين على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، وكانوا يتخذون موسمه فرصة للاجتماع والاتجار والتعارف والتشاور والتفاخر والتناصر والتناصح وحل المشكلات، وكان العرب أجمعون يقصدون مكة يمارسون مناسك الحج، ويشهدون منافع لهم مشاة ورجالة، نساء ورجالا، وكان لمكة وحرمها قدسية عامة عندهم كما كان لأهلها مكانة خاصة عندهم؛ لمجاورتهم البيت الحرام، وكان أهلها بالمقابل يحسنون إلى الحجاج، ويكرمونهم؛ لأنهم ضيوف الله، وكان الحجاج يحرمون على أنفسهم أعمال الشر والفسوق والرفث والجدال في الموسم، وكانت أشهر الحج هي: شهر شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، وقد ابتدع العرب بدعة إنساء أشهر الحج؛ أي تأخيرها أو تحريم بعضها وتحليل بعضها؛ فتارة يصبح شهر ذي القعدة مكان شهر ذي الحجة، وشهر ذي الحجة مكان المحرم، والمحرم مكان صفر، أو يصبح شوال مكان ذي القعدة، وقد حارب الإسلام هذه البدعة فقال:
إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله (سورة التوبة: آية 37).
وأجل شعائر الحج: الإحرام وخلع المخيط والوقوف في عرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة، وعرفة أرض منبسطة محاطة بجبال يقف فيها الناس يصلون ويكبرون ويدعون الله سبحانه ويستغفرونه، ويخطبهم رئيس الموسم فيعلن ما يريد إعلانه، وينسئ إذا أراد النسيء،
34
ثم يفيض الناس من عرفات إلى المزدلفة، ويظلون هناك إلى الفجر، ثم يفيضون إلى منى، وهاتان الإفاضتان قد أبقاهما الإسلام، وكان الحمس يرون لأنفسهم امتيازا على سائر الحجاج فلا يفيضون من حيث أفاض الناس، ويكتفون بالوقوف بمزدلفة، وقد حرم الإسلام ذلك، وأمرهم بالإفاضة من حيث أفاض الناس (سورة البقرة: آية 198-199).
ومن التقاليد الجاهلية التي أقرها الإسلام؛ رمي الجمرات بالحصى في منى بعد الإفاضة من عرفات والمشعر الحرام، والجمرات هي ثلاثة أمكنة: الجمرة الأولى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة، ويجب على الحاج أن يرميها في ثلاثة أيام، ففي كل يوم سبع حصي، ثم ينصرف من مكة إلى منى، وسبب ذلك فيما نقلوا: أن إبراهيم - عليه السلام - فعله ليرمي الشيطان الذي جاء ليشوشه على المناسك.
ومن أجل مناسك الحج: الطواف حول الكعبة في أوقات متعددة؛ منها طواف القدوم أو التحية - والواجب على كل قادم إلى مكة أن يطوف حولها طواف التحية سواء أكان في موسم الحج أو غيره، ويسمى طواف غير الموسم «العمرة» - ومنها: الطواف قبل الوقوف بعرفة، ثم الطواف بعد ذلك، وهو دوران الحاج سبعة أشواط حول الكعبة يبدأ كل شوط من ركن الحجر الأسود، فيستلم الحجر ثم يطوف بها، و«الحجر» هو حجر من النوع الصواني اللامع، تذكر العرب أنه نزل من السماء، وإذا أتم المرء أداء المناسك المشار إليها تحلل من إحرامه بذبح هديه إلى الله تعالى، ثم يقص شعره، ويلبس المخيط، وأقر الإسلام ذلك كله.
ومن تقاليد الحج: «الطواف» بين الصفا والمروة، وهما هضبتان قريبتان من الكعبة تبتعدان عن بعضهما نحو أربعمائة متر، وكان للجاهليين عندها أصنام يقربون لها القرابين عندهما، وقد أبقى الإسلام هذا الطواف، وعده من شعائر الله.
ومن تقاليد الحج: «إهداء» البدن والهدي إلى الله، ومن تقاليده: «تحريم الصيد» حالة الإحرام، وتحريم القتال في الأشهر الحرم، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والأشهر الثلاثة الأخيرة هي أوقات الحج، وأما رجب فهو شهر مقدس عندهم، واسمه مشتق من الترجيب؛ أي من التقديس، وقد كان لهم فيه عيد يحتفلون به، وكانت مضر أكثر العرب احتفالا به حتى سمي «رجب مضر»، وقد أقر الإسلام هذه التقاليد، وحفظ لهذه الأشهر حرمتها.