32
و«منها» نكاح المتعة؛ وهو زواج مؤجل ... وقد حرم الإسلام هذه الأنكحة كلها، واعتبرها من الفواحش، وكان العرب في الجاهلية يحرمون نكاح الأمهات والبنات والخالات والعمات، وقد كانت للجاهليين أحوال في زواجهم «فمن ذلك»: التماس الأبكار والشواب والأصيلات والجميلات، و«البعد» عن زواج الأقارب الشديدات القرابة:
فمن لم تلده بنت عم قريبة
فيضوى وقد يضوى رذيل الأقارب (2)
الطلاق والفراق: كانت عقدة الزواج بيد الرجل، يمسك المرأة إن شاء ويسرحها متى شاء، وكان بعض الأزواج يتخذون ذلك وسيلة إلى ابتزاز الأموال من النساء والتنازل عن حقوقهم المفروضة، كما كان منهم من «يظاهر» زوجته فيقول لها: أنت علي كظهر أمي؛ فتحرم عليه مجامعتها ولكنها لا تطلق، ويظهر أنهم كانوا يفعلون ذلك إذا ولدت المرأة بنتا، وأنهم لا يريدون أن تتزوج المرأة بعدهم برجل آخر، ومنهم من كان «يهجر» زوجته إذا ما أتت بعمل لا يرضيه، وكان من عادة عقلاء العرب وحكمائهم في الطلاق أن يجعلوه ثلاثا متفرقات، ويقولون إن إسماعيل - عليه السلام - هو أول من فعل ذلك، ومن عاداتهم في ذلك «الخلع»؛ وهو فراق الزوجة على مال يأخذونه منها، وقد أقره الإسلام؛ لأنه من نوع من الشرط، ومن عاداتهم «الإيلاء»؛ وهو الحلف على ترك قربانها مدة، قال ابن عباس: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، فوقت الله لهم أربعة أشهر فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء،
33
وكانت النساء في الجاهلية تعتد من الطلاق والموت، وكن يبالغن في احترام حق الزوج القديم، وكانت المرأة إذا مات زوجها تربصت سنة بشر ثيابها وحفش بيتها ولم تمس طيبا ولا ماء ولا تقلم ظفرا ولا تزيل شعرا، وقد جعل الإسلام العدة أربعة أشهر وعشرا، ومن العادات الذميمة التي كان العرب في الجاهلية يفعلونها وحرمها الإسلام؛ أنهم كانوا إذا قرب موعد عدة الطلاق «راجعوهن» لا عن حاجة ولا لمحبة؛ بل لقصد تطويل مدة العدة، وتوسيع مدة الانتظار؛ إضرارا بهن، وكان أحدهم يطلق أو يتزوج ثم يقول: عدلت عن هذا، أو إني كنت أمزح أو ألعب، فحرم الإسلام ذلك، وفي الحديث النبوي: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة.» ومن عادات أشرافهم أنهم كانوا يمنعون مطلقاتهم أن تتزوجن بعدهم من آخر، وقد حرم الإسلام هذا الأمر إلا لنساء النبي
صلى الله عليه وسلم . (3)
البنوة: كان العرب في الجاهلية يرعون حق البنوة؛ لأنه حق طبيعي بشري، قال قائلهم: وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض، ولكنهم كانوا يفضلون في الغالب الذكور على البنات، كما كان منهم من يقتلون أولادهم ويئدون بناتهم خوف الفقر والعار، قال تعالى:
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم (سورة الأنعام: 151)، وقال تعالى:
وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت (سورة التكوير: 8-9)، وكان من عاداتهم استرضاع أبنائهم في البوادي؛ ليتاح لأطفال المدن وأبناء سراتها أن يعيشوا في جو البادية الصافي الصحيح الفصيح، قال تعالى:
وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم (سورة البقرة: 233)، كما كان من عاداتهم أن لا يستعجلوا في فطم أبنائهم، قال تعالى:
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة (سورة البقرة: 233)، ومن عاداتهم: التبني، وهو أن يستلحق الرجل ابن غيره بنسبه، فيصبح بمثابة ابنه فيرثه ويعطى كافة الحقوق، وقد تبنى الرسول
صلى الله عليه وسلم
زيد بن حارثة فصار يدعى زيد بن محمد حتى قال الله:
وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم (سورة الأحزاب: آية 4-5). (4)
الميراث: لم يكن للعرب نظام محدود في الميراث يعرف به صاحب كل سهم مقدار حصته؛ فالزوجات والبنات والأخوات لم يكن لهن حق في الميراث تبعا للقاعدة العامة في حقوق المرأة الجاهلية، وكان الأولاد هم أول من يستولي على التركة، ثم الأجداد والأعمام وذوو القرابة وأخيرا النساء، على أن وصية الميت كانت تلعب دورا خطيرا في الأمر، وصاحب المال هو أحق الناس به يوزعه كيفما شاء، ولكن الورثة قد لا يقيدون بالوصية، فيتصرفون كيفما يشاءون، وسبب ذلك كله: هو عدم وجود الوازع الديني والقانوني، ونحن إذا ما تتبعنا آيات الميراث في القرآن نخلص إلى ما أسلفنا.