تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء (سورة آل عمران: آية 28)، وتحالف اليهود مع قريش ضد النبي فكونوا حزبا واحدا مقابل الجبهة الإسلامية.

وقد كان لهذه الأحلاف والأحزاب طرق متبعة في عقدها وفي فسخها، ومما يلحق بالعصبية القبلية عصبيات أخرى يمكننا إجمالها فيما يلي: عصبية الولاء، وعصبية الجوار، وعصبية الأجيال، أما عصبية الولاء: فهي أن يلحق فرد أو بطن أو فخذ أو قبيلة بقبيلة أخرى فيكونون مواليهم، ويقطعون صلاتهم بقبيلتهم السابقة ، وليس هذا الولاء كولاء الرق والعبودية، ولكنه ولاء الاستنصار والاعتزاز والتقوى، وقد كان لهؤلاء الموالي كافة الحقوق التي للقبيلة، وأما عصبية الجوار: فهي أن يلتحق فرد أو بطن ضعيف بآخر قوي، ويستجير به، ويطلب حمايته، ودفع الظلم عنه، فإذا قبل المستجار ذلك أعلنه في المواسم على الأشهاد، وأصبح المستجير في حمى المجير كأنه فرد من أفراد عشيرته، ويظل حق الجوار محفوظا إلى أن يتخلى المستجير عنه على الملأ، وأما عصبية الأجيال: فهي التعصب للتقاليد والموروثات التي وصلت إلى الأخلاف عن الأسلاف من أمور الدين والدنيا وتقاليدها، وقد تجلى هذا واضحا في عزوف كثير من عرب الجاهلية عن الدعوة الإسلامية لبعض التقاليد الموروثة لا غير، ولما قوي أمر الإسلام ودخل العرب في دين الله، وجاء نصر الله والفتح؛ أبقى الرسول جزءا من هذه التقاليد التي كان يتعصب لها العرب؛ لتغلغلها في النفوس من جهة، وعدم معارضتها للمبادئ الإسلامية الرئيسية كبعض تقاليد الحج من رمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة واستلام الحجر الأسود وتقبيله والوقوف بعرفة، وذبح الضحايا والقرابين وتحريم لبس المخيط وتحريم الصيد، ومن تقاليد الأجيال التي نص عليها الإسلام؛ حرمة الأشهر الحرم، والإبقاء على الرضيعة، والتسري بالإماء بدون تحديد، والزواج بأربعة نساء.

ومما حرمته من تقاليد الأجيال: الزواج بامرأة الأب، والجمع بين الأختين، والزنا، والسفاح، والمخادنة، وطواف العاري حول الكعبة، والذبح على الأنصاب والأزلام، واعتزال النساء في المحيض، ودخول الرجال إلى بيوت النساء بدون إذنهن، والتبرج وكشف الزينة لغير المحارم، والتبني.

أحوال الأسرة

كان الرجل هو القائم بأمر الأسرة، وصاحب المنزلة الممتازة فيها، والمسئول عن أسباب الحياة والمعيشة والحماية لها، وهو الذي يعول الأهل والمحارم، وهو المسئول عن حفظ كيان الأسرة، أما المرأة فهي ثانوية المكانة عليها القيام بخدمة البيت وربه وأولاده، ولم تكن حالتها حسنة ولا حقوقها مصانة إلا قليلا، وكانت مغبونة في المواريث والحقوق والمكانة، قال تعالى:

وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء (سورة الأنعام: 139)، وقال:

وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (سورة النحل: 58-59)، وفي القرآن والشعر الجاهلي شواهد تبرهن عن سوء حالة المرأة، وعلى وأد البنات، وحرمانهن حقوقهن في الحياة والمال والمكانة، على أن هذا لا يمنع من بروز بعض النوابغ منهن ممن أوتين بسطة في العقل والجسم؛ ففرضن احترامهن على الرجال ولمع اسمهن في البيئة العربية من الحكيمات والشواعر والنبيلات.

وهناك أمور تتعلق بأحوال الأسرة في العصر الجاهلي، نجملها في النقاط التالية: (1)

الزواج والنكاح: كان للعرب طرق للازدواج «منها»: أن يخطب أحدهم الفتاة إلى وليها، فإن قبلوا به زوجوه على مهر مسمى، وهذا هو الطريق المتعارف، وهو الذي أقره الإسلام، و«منها»: أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من حيضها: اذهبي إلى الشريف فلان واستبضعي منه، فتذهب إليه ولا يقربها زوجها حتى يتبين أنها حملت، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، و«منها»: أن يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة، فإذا حملت ووضعت سمت من أحبت أن تلحق ولدها به وتصبح له زوجا، و«منها»: أن يأتي الرجال بعض ذوات الرايات - وهن البغايا - فإذا ولدت ذهبت إلى القائف فألحق ولدها بالذي يراه شبيها بأبيه، و«منها»: أن يتبادل الرجلان زوجتيهما، فيتنازل الواحد للثاني وتصبح زوجته، و«منها»: أن يزوج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوج أخته أو ابنته مقابل ذلك بلا مهر، وهو المسمى: نكاح الشغار،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٣٧