تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما كانت التجارة مزدهرة فكذلك كان شأن الصناعة والزراعة، أما الصناعة: فقد ورد في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم أشياء كثيرة عن صناعات العرب وحرفهم، وتفننهم في بعض أنواعها؛ من نسيج ونقش وحدادة وصياغة وبناء وتجارة ودباغة ... وما إلى ذلك، قال تعالى:

والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (سورة النحل: 80)، وقال:

يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك (سورة الكهف: 31)، وقال:

يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات (سورة سبأ: 13).

وأما الزراعة: فقد كانت في المدينة والطائف وخيبر وما إليها، وكانوا يعنون بالزروع والكروم والنخيل والفواكه والبقول وغير ذلك مما أشار إليه الشعر الجاهلي والقرآن، ولا غرو فإن للجوالي اليهودية ورحلات العرب إلى الشام واليمن وغيرهما من الأقطار الزراعية أثرا كبيرا في تقدم الزراعة الحجازية، وقد أشار ابن هشام في السيرة إلى أن بعض أهالي العراق كان يعمل في بستان أحد زعماء الطائف،

30

وقد يكون هناك آخرون غير هذا يعملون في حدائق الحجاز وبساتينه. (1-4) الحالة الاجتماعية

إن معلوماتنا عن الحياة الاجتماعية في العصر الذي سبق البعثة المحمدية يمكن استقاؤها من الشعرين الجاهلي والإسلامي، والقرآن والحديث، ويمكننا إجمال تلك الحياة بالأمور الآتية:

العصبية القبلية

فقد كان الفرد متعصبا لقبيلته في البادية والحاضرة، وكانت القبيلة شديدة التعصب لأفرادها، وقد استمرت هذه الروح التعصبية في الإسلام على الرغم من محاولة الرسول

صلى الله عليه وسلم

القضاء على التعصب القبلي الأعمى الذي كان يسيطر على الحياة الاجتماعية أملا في إيجاد وحدة أممية مشتركة بين المسلمين بقطع النظر عن مصلحة القبيلة أو العشيرة أو البطن أو الفخذ، قال تعالى:

إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض (سورة الأنفال: آية 72)، وقال:

فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين (سورة التوبة: آية 11)، وفي القرآن والحديث أقوال كثيرة تنهى المسلمين عن العودة إلى العصبية القبلية الجاهلية المقيتة، وقد استطاع الرسول وخلفاؤه الراشدون؛ وخصوصا أبا بكر وعمر أن يقصوا العرب عن هذه الروح، ولكن هذا لم يدم طويلا، فرجع الوضع إلى ما كان عليه في الجاهلية بعدهما.

كان العرب في الجاهلية يعتبرون القبيلة هي المرجع الأساسي الذي يرجعون إليه في الدفاع عن حقوقهم، والاستنصار على عدوهم، والتعاون على أعداء بني قبيلتهم سواء كان محقا أو مبطلا، ولم يكن الدين ليحول بين هذا التناصر، ولما قدم الرسول بدعوته نصره كثير من قرابته لا لأنهم آمنوا به وصدقوه في دعوته حقا بل انتصارا له؛ لأنه فرد من أفراد قبيلتهم، وبذلك استطاع أن يبقى في مكة على الرغم من شدة خصومه عليه، وكان شذوذ عم النبي

صلى الله عليه وسلم

عبد العزي الملقب بأبي لهب شذوذا فرديا، على أن ابن هاشم يروي أن أبا لهب قد ثارت عصبيته لأخيه أبي طالب، وهدد زعماء قريش بأنه سينضم إلى أخيه إذا هم لم يحترموا شيخوخته وجواره، وأنه جاء إلى الرسول

صلى الله عليه وسلم

بعد موت أبي طالب، وقال له: امض لما أردت، وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه، وحلف له بأنه لا يوصل إليه حتى يموت،

31

وقد أقر الإسلام بعض تقاليد الجاهلية التي تمت إلى العصبية القبلية بسبب، فمن ذلك أنه أبقى لولي القتيل حقه في طلب دم صاحبه؛ قال تعالى:

ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (سورة الإسراء: آية 33)، ولا يشترط في هذا الولي أن يكون ابن القتيل أو أخاه أو من ذوي قرباه، بل ربما كان شيخ القبيلة، أو رئيس العشيرة، ومن ذلك حق «العقل»، وهو توزيع دية القتيل على القبيلة بسبب الصلح أو القضاء، كما أن مستحقي حق العقل هم الذين يجب عليهم الدفع فيما لو انعكست الآية، ومن ذلك بعض حقوق الميراث وحقوق أولي الأرحام واليتامى والمساكين في الأسرة، وقد كانت للعصبية القبلية درجات يتلو بعضها بعضا، فأولها العصبية للأسرة، ثم العصبية للقبيلة، ثم العصبية للأحلاف؛ أما العصبية للأسرة: فقد رأينا بعض أحوالها فيما سبق، وأما العصبية للقبيلة فتتجلى في أن أفراد القبيلة الواحدة تتضامن أمام القبائل الأخرى في الحروب أو المصالح المشتركة، وتتعاون في المغانم والمغارم، وأما العصبية للأحلاف: فهي أن يتعصب الفرد لأحلاف قبيلته، فيحارب معهم ويتعاون وإياهم ويتحمل تبعة أعمالهم، ومن أمثلة ذلك ما يروى من أن بعض يهود المدينة كانوا أحلافا للأوس وبعضهم كان أحلافا للخزرج، وكان كل فريق ينصر حليفه، وقد استمر هذا إلى ما بعد الإسلام، وإليه الإشارة في الآية:

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٣٦