تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من شر ما فيه من الأعادي

فلم يجرنا من هزبر عادي

وكان من عاداتهم في «الجاهلية» إذا ركب أحدهم مفازة، وخاف على نفسه من الجن والشياطين أن ينيخ راحلته إلى واد ذي شجر، ويقول: أعوذ بصاحب هذا الوادي أو عظيمه. وقال آخر:

قد بت ضيفا بعظيم الوادي

المانعي من سطوة الأعادي

راحلتي في جاره وزادي

وكانوا يعتقدون أن الجن والشياطين هم أصحاب نفوذ قوي وأعمال عجيبة، وأن لهم صلات ببعض بني الأنس من السحرة والكهان والشعراء، وأنهم كانوا يفعلون الأعمال الخارقة، ويعلمون الأمور المغيبة، وربما سمى العرب الملائكة «جنا» لاستتارهم، كما يسمونهم «حنا» بالحاء، وفي القرآن الكريم والأدب الجاهلي، والخرافات والأساطير الموروثة، كثير من أخبار الجن والشياطين والمردة وأحوالهم واعتقادات العرب فيهم.

23 (1-2) الحالة السياسية

لم يعرف أن الحجاز خضع لحاكم أجنبي طول عهده، ولم يعبث بحريته الملوك الفاتحون، في الوقت الذي عبث فيه كيرش وقمبيز وغيرهما من ملوك الفرس باستقلال كثير من الأمم، كذلك ظل محافظا على استقلاله أيام الإسكندر المقدوني حين أغار على دارا ملك الفرس، وكان من أثر تمتع أهل الحجاز بالاستقلال طول حياتهم أن ظهرت فيهم طبائع خاصة بهم من حيث عراقة أصلهم وشرف أهلهم وآبائهم وشهامتهم التي كانت ولا تزال مضرب الأمثال، ولغتهم التي حافظت على نقائها وصفائها،

24

وكان النظام القبلي يسيطر على الحالة العامة في الحجاز، فكان لكل قبيلة كيانها السياسي المستقل، ولكل قبيلة شيخها وأهل العقد والحل، كما كان لها حكيمها وحكمها وكاهنها وشاعرها، وكان لأهل مكة وقريش بصفة خاصة مكانة مقدسة رفيعة تجعلهم يمتازون عن بقية العرب بأنهم أهل بيت الله وأهل الحكم المسموع في القبائل العربية جميعا. وقد نبغ في العرب قبل الإسلام عدد من العقلاء والحكام والنبلاء الذين فرضوا طاعتهم على القبائل العربية كبني سهم، وبني هاشم، وبني عبد مناف،

25

وكان بنو سهم هم أصحاب الحكومة قبل الإسلام، ويظهر أن المراد بذلك أنهم كانوا أصحاب القول والفصل في المشاكل والخصومات التي تقع بين العرب.

ولما سيطر قصي بن كلاب على مكة نظم أمور البلد ورتب شئونه، وكان حازما داهية، نقل السيوطي عن ابن سعد قال: روي عن عباس أن قصي بن كلاب أول ولد لكعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكان شريف أهل مكة لا ينازع فيها، فابتنى دار الندوة وجعل بابها إلى البيت، ففيها كان يكون أمر قريش كله وما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة فيما ينوء بهم تشريفا له وتيمنا برأيه ومعرفة بفضله، ويتبعون أمره كالدين المتبع لا يعمل بغيره، فكان إليه الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة وحكم مكة كله، وقد قام بأمر مكة بعد قصي ابنه عبد مناف، ثم ابنه هاشم، ثم ابنه عبد المطلب، وفي عهده أراد أبرهة الأشرم الحبشي صاحب الفيل أن يستعمر الحجاز ومكة، فخذله الله ورجع خاسرا عن مكة والبيت الحرام، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحادثة بقوله:

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل .

يذكر المؤرخ الفرنسي سديو أن أبرهة الأشرم الحبشي المتغلب على اليمن أراد فرض سيطرته على الحجاز وسائر الجزيرة، ورأى أن حرمة الكعبة هي التي تجعل العرب أجمعين يخضعون لصاحب مكة، فأراد السيطرة عليه، وقد كاتب قيصر الروم أنه يرى أن يبني كنيسة كبرى في صنعاء فهو يسأله المعونة، وأن يبعث إليه الصناع والعمال والفسيفساء والرخام، فبعث إليه بما أراد - لما كان بينهما من رابطة النصرانية - ولما تم ما أراد كتب إلى النجاشي أنه يريد أن يحول حجاج العرب إلى صنعاء، وبذلك تنحصر تجارة الجزيرة في اليمن، وشاع ذلك بين العرب فثارت حفيظتهم، وخرج رجل من بني مالك بن كنانة فقدم اليمن ودخل كنيسة صنعاء، وعبث فيها، وانتهك حرمتها، وأفسد أثاثها، فلما علم أبرهة بذلك غضب وآلى ليهدمن الكعبة، ثم جرد جيشا يذكر المؤرخ سديو أن قوامه أربعين ألفا، ويقول آخرون بل ستين ألفا،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٣٣