تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

وقد أثر هؤلاء المتهودة في بعض العرب، فأخذوا عنهم بعض الطقوس الدينية كالختان واعتزال النساء في المحيض، وبعض المعلومات التاريخية والدينية والأخبار والقصص.

وكان في العرب مجوس أخذوا المجوسية عن الفرس في رحلاتهم التجارية إلى فارس، وكان فيهم «الحنفاء» أو «الصابئة» الذين نزهوا أنفسهم عن أوضار الوثنية، واستخلصوا لأنفسهم مذهبا نقيا أخذوه من اليهودية والنصرانية والحنيفية، فكانوا يستقبحون عبادة الأصنام ووأد البنات وشرب الخمر ولعب الميسر والمقامرة، ويؤمنون بوجود إله واحد عادل يحاسب الناس على أعمالهم في يوم القيامة، ومن هؤلاء: أمية بن أبي الصلت الشاعر، وورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعثمان بن الحويرث وغيرهم.

15

وكان فيهم معطلون دهريون يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيى، وما يهلكنا إلا الدهر؛ فأنكروا الخالق سبحانه، ونفوا البعث، ولم يقروا بالحشر، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني.

وكان فيهم زنادقة وثنوية، وكانت الزندقة منتشرة في قريش، قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: «وقد كانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة.»

16

والمراد بزندقة قريش أن الزنادقة فيها كانوا ينكرون الحشر، ولا يؤمنون بالآخرة، ويثبتون أكثر من إله، وقد ينكرون الألوهية.

وعلى الرغم من هذا التعدد الديني عند العرب قبل الإسلام، فقد كانوا مشتركين في أمور، وكأنهم قد ورثوها عن أبيهم إبراهيم، فمن ذلك: تعظيم الكعبة - كما أسلفنا - ومن ذلك تقديس الأشهر الحرم، ومنه محافظتهم على طهارات الفطرة التي ابتلي بها إبراهيم، وهي: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والفرق، والسواك، والاستنجاء، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، ومنه الاغتسال من الجنابة، وتغسيل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ورثاؤهم، وصوم عاشر المحرم، والحج، والعمرة، والإحرام، والطواف، ومسح الحجر الأسود، والسعي بين الصفا والمروة، والتلبية، وكانوا يقفون المواقف كلها، ويهدون الهدي، ويرمون الحجار وغير ذلك من مشاعر الحج، وكانوا يصلبون قاطع الطريق، ويقطعون السارق، ويحكمون باعتزال الحائض ... وأمور أخرى كثيرة أقرها الإسلام.

17

وهناك أمور دينية أخرى اشترك العرب جميعا في الاعتقاد بها على الرغم من تباين مذاهبهم الدينية، ويمكننا إجمال ذلك في النقاط الآتية:

الملائكة:

اعتقد العرب بوجود الملائكة، وقالوا إنها بنات الله، وإن الله سبحانه قد أصهر إلى الجن فكانت الملائكة بناته منهم، وإنهم أجسام نورانية يرسلها الله إلى الناس رسلا مبشرين ومنذرين، وقد غالى بعض العرب فعبد الملائكة تقربا إلى الله. وذهب آخرون إلى أنهم أجسام كاللات والعزى ومناة، وأنها رموز وهياكل مادية تجسدت فيها الملائكة، وقد أشار القرآن إلى بعض هذه الاعتقادات الجاهلية بقوله:

ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ،

18

وقوله:

وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون .

19

الجن:

كان العرب يعتقدون بوجود الجن والمردة،

20

ويزعمون أنهم مخلوقات هوائية لطيفة قادرة على التشكل بما تريد، ويرون أنهم أقوياء يفعلون ما يعجز عنه البشر كأنهم شركاء الله، فخافوهم وعبدوهم، وفي القرآن الكريم والشعر القديم كثير من الأقوال التي تؤيد اعتقاد العرب بالجن، وتبين طرفا من اعتقاداتهم فيهم، ففي القرآن:

وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ،

21

وفيه:

ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ،

22

وقال راجزهم:

من قد استعذنا بعظيم الوادي

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٣٢