26
ولما وصل أبرهة المنمس - وهو مكان على ثلثي فرسخ من مكة في طريق الطائف - بعث القائد الأسود بن مقصود فأتى مكة، وأخذ أموال أهلها من قريش وغيرهم، وأصاب مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، فأراد أهلها قتاله، ولكنهم وجدوا أنفسهم ضعافا أمامه، ثم إن أبرهة بعث رسولا اسمه حناطة الحميري إلى مكة وقال له: سل عن سيد هذا البلد، ثم قل له إن الملك يقول لكم إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم البيت؛ فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يرد حربي فأتني به.
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له هو عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فخابره وقال له ما أمره بقوله أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد قتاله وما لنا بذلك طاقة، هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم. فقال له حناطة: فانطلق معي إلى الملك فإنه قد أمرني أن آتيه بك، فانطلق معه هو وبعض بنيه، فلما أتى المعسكر، وتقابل مع أبرهة، قال لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني؛ أتكلمني في مائة بعير قد أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيحميه. ثم إنه عرض على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن مكة ولا يهدم البيت فأبى، فخرج عبد المطلب حانقا، وجاء إلى الكعبة، ومعه جماعة من قريش، وقال:
يا رب لا أرجو لهم سواكا
يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا
امنعهم أن يخربوا قراكا
ثم إن أبرهة صمم على دخول مكة وهدم الكعبة، فسار نحو مكة وعلى رأس جيشه فيله - وكان اسمه محمودا فيما رووا - فلما وجه الفيل نحو مكة برك ولم يتحرك، فضربوه فلم يقم، ثم وجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام فقعد مثل ذلك، فطاش صواب أبرهة، ثم إن الله أرسل عليه وعلى جنده طيرا من جانب البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر ثلاثة أحجار يحملها؛ حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، وأخذت الطير تلقيها عليها، فكانت لا تصيب أحدا إلا هلك،
27
فتراجع أبرهة وجيشه، ووقف عبد المطلب على باب الكعبة وهو يقول:
لاهم إن العبد يم
نع رحله فامنع رجالك
لا يغلبن صليبهم
ومحالهم عدوا محالك
فلئن فعلت فربما
أولى فأمر ما بدالك
ولئن فقلت فإنه
أمر تتم به مقالك
وكانت سنة الفيل حدثا تاريخيا كبيرا حفظه العرب، وأرخوا به، ولو أتيح لأبرهة النصر لانتشر دين الأحباش في الجزيرة، وانصرف الناس عن مكة إلى صنعاء، ويأبى الله إلا أن تتم رسالته.
قال الطبري: ولما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشا، وقالوا أهل الله قاتل عنهم الله فكفاهم مئونة عدوهم،
28
والحق أن الحالة السياسية في الحجاز قبل عصر النبي كانت حالة بسيطة غير معقدة، ليس لها ما للدول من مشكلات سياسية أو قضايا دولية، هي حالة قريبة الشبه بالنظام الجمهوري الشوري الذي يعتمد على النظام القبلي، ويحكم البلاد حكما يديره شيوخ قريش ووجوه القبائل الكبرى في الحجاز، وأن هذه القبائل وقريشا كانت تتوارث الحكم، ولعل أبرز هؤلاء الشيوخ في الجاهلية هو: قصي وعبد مناف وهاشم وعبد المطلب وأبو سفيان في مكة، وعبد الله بن أبي في المدينة. (1-3) الحالة الاقتصادية
الحجاز بلد فقير، وصفه إبراهيم - عليه السلام - بقوله:
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (سورة إبراهيم: آية 37)، على أن فيه بقاعا خصبة هي يثرب ورياضها، والطائف وضواحيها، ففي هذه البقاع سهول خضرة وبساتين مثمرة وجنات وارفة ونخيل وأثمار وزرع، كما أن فيه مدنا ساحلية اتصلت بالعالم الخارجي، فكثرت تجاراتها، وربت خيراتها. كما أن مواسم الحجاز وأسواقه جعلت منه بقعة تجارية يقصدها العرب أجمعون؛ ليشهدوا منافع لهم، وقد كانت لقريش رحلتان تجاريتان إحداهما: في الصيف إلى الشام، وثانيتهما: في الشتاء إلى اليمن: