تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

والحمس هم المتشددون في الدين وحفظ التقاليد الموروثة عن إبراهيم - عليه السلام - وهم: بنو «خزاعة» و«كنانة» و«جديلة قيس»، و«ثقيف» و«عامر بن صعصعة»، وكان من سنة الحمس أن لا يخرجوا أيام المواسم إلى عرفات، وإنما يكتفون بالوقوف عند المزدلفة، ولا يشتكون ولا يأقطون ولا يرتبطون عنزا ولا بقرة، ولا يغزلون صوفا ولا وبرا، ولا يدخلون بيتا من الشعر والمدر، إنما يكتنون بالقباب الحمر في الأشهر الحرم، ثم إنهم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وأن يخلوا ثياب الحل ويستبدلوها بثياب الحرم، إما شرى وإما عارية وإما هبة، فإن وجدوا ذلك وإلا طافوا بالبيت عرايا، وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، وكلفوا العرب أن تفيض من مزدلفة، وكانت تفيض من عرفة أيام كان الملك في جرهم وخزاعة، وصدرا من أيام قريش، فلولا أنهم أمنع حي في العرب لما أقرتهم على هذا العز والإمارة مع نخوة العرب في إبائها.

11

يقول العلامة الألوسي: كانت قريش ابتدعت رأي الحمس رأيا رأوه وأرادوه، فقالوا عن بني إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وسكانها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها، وهم يعترفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن تخرج من الحرمة ولا تعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس.

12

وقد كانت قريش وبطونها والحمس وقبائلها يقومون بالشعائر الدينية التي كانت تربط جميع من كانوا يقصدون البيت الحرام برباط ديني وثيق على اختلاف قبائلهم، وما ذلك إلا لمكانة مكة وقدسية الكعبة واحترامهم لقريش التي كانت تتمتع بمكانة مرموقة بينهم، وكان للعرب أشهر مقدسة حرم يعقدون فيها الأسواق التجارية حول الحرم، وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكان لا يجرؤ أحد على الإخلال بحرمة تلك الأشهر.

ومما تجدر الإشارة إليه أن العرب على الرغم من احتفاظهم ببعض الطقوس الدينية الحنيفية الموروثة عن إبراهيم وإسماعيل، فإن الوثنية قد دخلت عليهم وامتزجت بديانتهم، ويقال إن عمرو بن لحي الخزاعي هو أول من أدخل عبادة الأوثان مع الطقوس الدينية العربية، وإنه نقلها حينما زار الشام، وإنه وضع بعض الأصنام في الكعبة. يقول الشهرستاني في الملل والنحل: «أول من وضع فيه - أي في البيت الحرام - الأصنام؛ عمرو بن لحي لما ساد قومه بمكة، واستولى على أمر البيت، ثم سار إلى مدينة البلقاء بالشام، فرأى قوما يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوية والأشخاص البشرية، نستنصر بها فننصر، ونستسقي فنسقى. فأعجبه ذلك، وطلب منهم صنما من أصنامهم، فدفعوا إليه «هبل»، فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة.» ويقال إن هبل كان من العقيق على هيئة إنسان، وقد كثرت الأصنام في بلاد العرب عامة وفي الكعبة خاصة، حتى إن المسلمين أخرجوا منها يوم فتح مكة (360) صنما.

13

وكان إلى جانب هؤلاء «نصارى» جاءتهم النصرانية من بلاد الشام وشبه جزيرة سيناء، وأشهر القبائل التي دخلتها النصرانية: بنو تغلب، وطي، وبعض عرب الحجاز، وقد أثرت النصرانية في البيئة العربية تأثيرات واضحة، وأوجدت بعض الفكرات التي كان لها علاقة بالنصرانية، مثل فكرة اتخاذ الله البنين والبنات، ومثل فكرة الشفاعة والشفعاء، ومثل فكرة الرهبنة وطقوسها.

وكان في العرب نفر من المتهودة كانوا يسكنون في «فدك» و«وادي القرى»، و«تيماء»، و«المدينة»،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٣١