6
وقد كان لليهود حين هجرة النبي إلى المدينة أثر كبير سنرى آثاره فيما بعد. وأشهر البطون اليهودية «بنو القينقاع»، وكانوا يسكنون المدينة ويمتهنون الصياغة والصيرفة، كما كانوا ذوي نفوذ كبير في المدينة؛ و«بنو قريظة»، وكانوا زراعا يسكنون في وادي مهزوز ووادي بطحان، وهما واديان يهبطان من حرة يهبط فيها مياه عذبة؛
7
و«بنو النضير» وكانوا زراعا في وادي بطحان، ويقول اليعقوبي: إنهم في الأصل من بني جذام، ثم تهودوا.
ولكن بعض المؤرخين يذكرون أن السيدة صفية أم المؤمنين - وهي من بني النضير - كانت منحدرة من نسل هارون بن عمران، وقد كانت لهم معابد ومدراسات وربانيون، وكان إلى جانب هؤلاء اليهود متهودون من العرب.
ولم يكن المتهودون في خصومتهم للنبي
صلى الله عليه وسلم
مثل اليهود في خصومتهم إياه، وقد اكتسب هؤلاء اليهود جميع التقاليد والأخلاق والأسماء واللهجات العربية، كما ثقفوا اللغة العربية إلى جانب لغتهم الأصلية، وظهر منهم شعراء وخطباء بالعربية، وتقول الروايات العربية إن هؤلاء اليهود كانوا هم المسيطرين على المدينة المنورة، وإنهم كانوا ملوكها، وإن آخرهم كان يسمى القيطون أو القيطوان أو الفيطون (بالقاف، والفاء)، وإنه كان عاتيا جبارا قتله مالك بن العجلان الخزرجي، ثم اضمحل أمر اليهود من بعده، وصارت السيادة للعرب.
8
ولكن الخلافات ما عتمت أن نشبت بين العرب - أي الأوس والخزرج - فاستفاد اليهود من ذلك، وأصبحوا يرجحون كفة أحد الجانبين على الآخر، ويظهر أن عرب المدينة من الأوسيين والخزرج كانوا أقل ثقافة من عرب مكة، فقد كان اليهود المدنيين مسيطرين على الأحوال المالية في المدينة، أما عرب مكة فقد كان منهم كتاب ومعلمون وتجار وأغنياء.
ومن مدنه «الطائف»، وهي بطن من جبل غزوان بشرقي مكة، نزه كثير المياه والفواكه والبساتين، وسكانها من ثقيف، ومن قرى الطائف «وج» و«النخب» و«العرج» و«ليه» و«جلدان» و«عكاظ» و«ذو المجاز» و«مجنة»، وكلها قرى كثيرة النخل والفواكه، وللعرب فيها أسواق مشهورة ومواسم مسماة.
ومن مدنه «خيبر»، وهي مدينة كبيرة كثيرة الحصون والمزارع، قال أبو عبيد البكري: إنها باسم أحد العماليق وأهلها يهود، وكانت لبني غزة بن أسد، ومن قراها المشهورة: «فدك».
ومن مدنه «جدة»، وهي الفرضة الكبرى للقطر، وهي تابعة لمكة المكرمة.
ومنها «الجار»، وهي فرضة حسنة تابعة للمدينة المنورة.
ومنها ينبع، وهي مدينة صغيرة قريبة من الساحل آلت لبني الحسن.
ومنها تبوك، وهي مدينة تجارية حسنة الأسواق.
وفي الحجاز كثير من الجبال أشهرها: «خندمة» و«أجياد» و«أبو قبيس»، و«ثور» و«ثبير» و«عرفات»، وكلها قرب مكة. (1-1) الحالة الدينية
كانت الحالة الدينية في بلاد الحجاز قبل البعثة النبوية متعددة النواحي؛ ففيها الحمس الحنفاء، وفيها المشركون، وفيها الزنادقة، وفيها المعطلون، وكان لكل فريق طقوسه وتقاليده التي أخذها عن رجال دينه وأسلافه، إلا أنهم كانوا جميعا يجمعون على شيء واحد وهو تقديس الكعبة واحترام مشاعرها، فقد جعلوا لها حرما مقدسا يحيط بمكة من دخله كان آمنا، وحده من جهة المدينة دون «التنعيم» عند بيوت بني نفار على ثلاثة أميال، ومن جهة العراق على ثنية جبل بالمنقطع على سبعة أميال، ومن طريق «الجعرانة» بشعب أبي عبد الله بن خالد على تسعة أميال، ومن طريق «الطائف» على عرفة، ومن بطن «غرة» على سبعة أميال، ومن طريق «جدة» عند منقطع العشائر على عشرة أميال،
9
وقد كان الناس منذ أقدم عصور «الجاهلية» يقدسون هذه البقعة فلا يسفكون فيها الدماء، ولا يقطعون الشجر والقصب، ولا يطردون الصيد، ولا يقتلون الطير. قال ياقوت: ومن شرفها أنها كانت لقاحا لا تدين لدين الملوك ... ومما زاد في فضلها أهلها ومباينتهم للعرب أنهم كانوا حلفاء متآلفين ومتمسكين بكثير من شريعة إبراهيم، ولم يكونوا كالأعراب الأجلاف، ولا كمن لا يوقره دين ولا يزينه أدب.