20
ومن عظم نفوذ قتبان السياسي والعسكري أنها سيطرت حوالي سنة 820ق.م. على الدولة السبئية،
21
كما عظم تقدمها الزراعي، وقد وضعت قوانين خاصة لاستغلال الأرض، وقد وصل إلينا بعض الوثائق أو الإعلانات التي كان يعلنها الملوك القتبانيون للشعب في العاصمة أو غيرها، فيما يتعلق بإدارة الأراضي في وادي لبخ، وهو من الأودية الخصيبة عندهم، وكذلك وصل إلينا صور اتفاقيات معقودة لاستثمار بعض الأراضي الزراعية.
22
وأما أعظم مدنهم فهي مدينتا:
تمنع:
وتقع في وادي بيجان الخصيب المنظم في ريه وتقسيم أراضيه، وتعرف الآن باسم كحلان، ولا تزال أطلال الأقنية ونظم الري موجودة، كما لا تزال الحفريات فيها تكشف عن كثير من النقود الذهبية، والتماثيل، والخزفيات الجميلة، التي جعلت علماء الآثار يقولون إن الصلة بين «تمنع» والهيلينية والرومانية كانت قوية، وإن الرومان قد أثروا في العرب، وأرى العكس قد يكون صحيحا؛ فالقتبانيين كانوا قوما بارعين جدا في الفنون كما رأيت، وقد عثر في حفريات «تمنع» على آثار رائعة من المرمر والنحاس والبرونز.
23
شوم:
أو «شور»، وهي مدينة كبيرة كانت تسكنها قبيلة «هرية»، وقد بنت فيها حصونا وقلاعا وسورا ومعابد، وذلك في عهد الملك «دروال غيلان بهنعم».
24
وكان نظام الحكم في قتبان مثله في معين؛ أي إنه نظام ملكي ديني وراثي، وكان يدير شئون المملكة حكام نيابة عن الملك، كما يسمى أحدهم: كبر أو كبير، وكانوا يجتمعون في «المشود»، وإن ملوكهم كانوا عادلين ديمقراطيين، بل كانوا يشاورون الشعب في المجالس والمشاود. أما نهاية عهد الدولة فلا نستطيع تحديدها بالضبط كما قلنا، وإنما نستطيع أن نجزم بأن الدولة السبئية قد استولت عليها كما استولت على الدولة المعينية والحضرمية بعد أن جرت حروب عديدة بين القتبانيين والسبئيين. (4) الدولة الحضرمية
حضرموت هي دولة عربية عريقة، عاصرت دولتي معين وقتبان، وذكرها في كتاب إيراتوستينس وإسترابون باسم
Ehatromotitae ،
25
وفي كتاب التوراة باسم حضرموت، على أنها سميت باسم حضرموت بن يقظان بن عابر بن شالخ،
26
وليست معلوماتنا عن بداية هذه الدولة ونهايتها جزءا من معلوماتنا عن دولة قتبان؛ فإن الدراسات العلمية التي جرت حتى الآن دراسات محدودة ضيقة، وقد عكف بعض المستشرقين الاختصاصيين بدراسات تاريخ جنوب الجزيرة العربية على دراسات تاريخ الدولة الحضرمية، وتوصل البروفسور «ألبرايت» أن يحصي قائمة بأسماء ملوكها، وأن يجعل في طليعتها اسم الملك «يدع إيل» الذي حكم حضرموت حوالي نصف القرن الخامس ق.م،
27
ويعارضه المستشرق فيلبي، فيقول: إن طليعة ملوك هذه الدولة هو «صدق أبل»، وإنه قد حكم في سنة 1020ق.م،
28
ومن مشاهير ملوك هذه الدولة: «معدي كرب» الملك القوي، العمراني، أخو الملك «أب يدع يثع» الذي كان ملكا على معين، ويظهر أنه في عهد هذه الأسرة القوية خضعت الدولتان الحضرمية والمعينية لها، وكان ذلك حوالي سنة 980ق.م، ومن أشهر ملوكها: العذيلط الأول.
قد كانت مدينة شبوة العاصمة الجديدة لهذه الدولة، وكانت زاخرة بالمعابد الفخمة، والقصور الشامخة، وقد كانت في الأصل مقرا للمكاربة، ثم صارت مقرا للملوك، وهي معروفة عن المؤرخين القدماء باسم
Sabratho
أو
Sabato ، وقد ورد اسمها في التوراة باسم سبت،
29
وقد ذكرها الهمداني في صفة جزيرة العرب، وعدها من حصون حضرموت ومحافدها،
30
وقد زارها المستشرق فيلبي، وعثر على آثار معابدها وقصورها القديمة وسدود واديها، وذكر المؤرخ القديم بلينوس: أن في اليمن توجد
Ostramitae ، وأنها منطقة من أرض شبوة
Saboei ، وأن عاصمتها مدينة شبوة
Saboei ، وتسمى أيضا
Sariba ، وأنها غنية بمناطق كثيرة الغابات ... ومنها يصدر اللبان، وأن شعب
Minaei