تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

وقد توسع ملك السبئيين حتى سيطروا على أكثر بقاع الجزيرة العربية، فاستولوا على مملكتي حضرموت، وقتبان.

11

ومهما يكن من أمر، فإن تاريخ هذه الدولة ما يزال محتاجا إلى توسع في دراساته. (3) الدولة القتبانية

هي دولة عربية جنوبية، ولكن أخبارها ما تزال مجهولة، ولم يتفق العلماء الأثريون حتى الآن على تعيين مبدئها ونهايتها، ولكنهم أجزموا بأنها قد عاصرت دولتي «معين» و«سبأ»، وذهب المستشرق الأثري هومل إلى أنها وجدت في الألف الأول قبل الميلاد،

12

ويرى المستشرق كلاسر أن نهايتها كانت بين سنتي 200 و24ق.م،

13

ويرى المؤرخ الأثري الرابت: «أن بداية القتبانيين كانت في القرن السادس ق.م، ونهايتها على أثر خراب مدينة «تمنع» المعروفة الآن بكخلان، حوالي سنة 50ق.م.» ويرى الدكتور جواد علي: «أن الوقت لم يحن بعد للحكم بأن المكرب الفلاني أو الملك الفلاني قد حكم في سنة كذا أو قبل هذا أو ذاك؛ لأننا لا نزال نطمع في العثور على أخبار حكام لم تصل أسماؤهم إلينا، لعلها لا تزال في باطن الأرض ... وإن خير ما يستطاع عمله في الوقت الحاضر هو جمع كل ما يمكن جمعه من أسماء حكام «قتبان» على أساس الصلة والقرابة؛ وذلك بأن يضم الأبناء والأخوة إلى الآباء على هيئة جمهرات، ثم تدرس علاقة هذه الجمهرات بعضها ببعض، وترتب على أساس دراسات نماذج الخطوط التي وردت فيها أسماء الحكام وطبيعة الأحجار التي حفرت الحروف فيها ... ولانتفاء ذلك أصبحت القوائم التي وضعها علماء العربيات الجنوبية لحكام قتبان أو حضرموت أو معين هي في نظري قوائم غير مستقرة.»

14

وكان حكام «قتبان» - لا قطبان كما ورد في تاريخ العرب المطول

15 - يلقبون بلقب «مكرب» ثم بلقب «ملك»، ومعنى كلمة «مكرب»: الوسيط والشفيع والمقرب الذي يتوسط بين الآلهة والناس، وهكذا كان أولئك المكارب وسطاء بين الناس والآلهة، ولما قوي سلطان هؤلاء المكارب، وتعدى حدود قبائلهم إلى القبائل والمدن المجاورة تلقبوا بلقب «ملك».

وأقدم مكارب القتبانيين هو «سمه علي وثر»، وابنه «هون عم يهنعم» الذين حكما في حوالي القرن التاسع قبل الميلاد،

16

وقد عثر في حفريات اليمن على كتابات حلزونية

Boustrophedon ؛ أي يبدأ السطر فيها من جهة اليمين فينتهي في جهة اليسار، ثم يبدأ السطر الثاني من جهة اليسار وينتهي في جهة اليمين، وهكذا ...

ويظهر أن هذه الدولة قد عاصرت حكومة «معين»، وقد ذكرها بطليموس، وقال إنها تقع على ساحل تهامة، ويقول سترابون - نقلا عن إيراتو ستينس الذي كان في سنة 194ق.م: إن القتبانيين كانوا يقطنون في الأقسام الغربية من العربية الجنوبية، وفي جنوب أرض السبئيين.

17

أما المؤرخون العرب فلا يذكرون شيئا موثوقا عنهم، ويقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: إن قتبان موضع في نواحي عدن.

18

ويقول الفيروزآبادي: إن قتبان بالكسر موضع بعدن. وينقل الزبيدي في تاج العروس عن مراصد الاطلاع أن قتبان بعدن تبعا للبكري. ويقول في موضع آخر: إن قتبان بالكسر بطن من رعين من حمير، كذا في كتب الأنساب.

19

وهذا قول غير صحيح؛ لأنه لا صلة في النسب بين حمير وقتبان، وقد كان للقتبانيين أصنام ومعابد وهياكل شيدوها على اسم تلك الأصنام، ومنها: «عشتر» و«ابنى» و«ود» و«عم»، كما كانت لهم مجالس وندوات سياسية يجتمعون فيها لدراسة قوانين الحرب، وإدارة الحروب، وقوانين التجارة والزراعة والقتل والضرائب، وكانوا يسمون هذه المجالس «مشود»، وكان أعظم هذه المجالس في عاصمتهم «تمنع»، على أن المدن الأخرى لم تكن تخلو من هذه المجالس. وقد ارتفعت الفنون عندهم، وبلغت درجة رفيعة لا تقل عن الفنون الإغريقية، وبخاصة فن النحت، وقد عثر في خرائب العاصمة «تمنع» على تمثالين لأسدين كتب على قاعدتيهما كتابات قتبانية، ورد فيها اسم الفنان «ثوبم»، وهذان التمثالان مصنوعان بأسلوب لا يقل روعة عن الأسلوب اليوناني، ويرجع عهدهما إلى القرن الثاني قبل الميلاد.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٢٦