وقد كانت لهذه الدولة آثار جليلة في العمران والحضارة، على الرغم من أن آثارها لم يتح لها أن تدرس بعد درسا علميا؛ فإن ما اكتشف وكتب عنه إلى اليوم ليدلنا على تقدمهم في مضمار العمران والحضارة تقدما ظاهرا؛ فقد كانت لهم قدم راسخة في هندسة المباني وزخرفتها، وبناء القصور والجسور والحصون والقلاع والأسوار، وتنظيم الخنادق والأقنية، وغير ذلك من الأبنية العامة، كما كان لهم شرائع عادلة في فرض الضرائب وتوزيعها، وفي تنظيم العقود والبيوع والإيجار، والميراث، والتجارة والاقتصاد.
وكانت للمعينيين صلات تجارية قوية مع المصريين، فقد اكتشفت بعض الكتابات التي تدل على أن بعض الجوالي المعينية قصدت إلى مصر للتجارة، كما لهم صلات تجارية وسياسية مع سيناء والحجاز ومشارف الشام ولبنان وسوريا.
وكان نظام الحكم عندهم ملكيا، ويجوز أن يتولى الملك أكثر من ملك واحد، وكان النظام في الولايات لا مركزيا تتولى الحكم في ولاية أو مدينة حكومة مستقلة لها آلهتها وكهونتها الذين كان يقال لهم «عم»، ولها نائب ملك يسمى «كبر»، ولها مجلس نيابي يقال له «مسود» يدير شئونها، ويجتمع فيه الأشراف للحكم بين الناس وإعلان الحروب، وتقرير القوانين والضرائب، وكانت الضرائب عندهم على ثلاثة أنواع: (1)
ضرائب لمنفعة خزانة الملك. (2)
ضرائب لمنفعة الكهنة والمعابد ومن يلحق بها. (3)
ضرائب لمنفعة الشيوخ والحكام، وكان هؤلاء مع الإقطاعيين هم الذين يتولون جمع هذه الضرائب؛ لتقديمها إلى الملك أو الكهنة أو للقيام بالإنفاق على المؤسسات العامة ، وقد كانت للإقطاع أنظمة، فلا تسلم لصاحبها إلا بعد أن تحدد حدودها، وتذكر شروطها، وما يجب على مستغلها من الضرائب.
كما كان لسكان البادية الملحقين بالدولة أنظمة خاصة، وكان شيوخهم يبنون لأنفسهم دورا في الصحراء يتخذونها مجالس، ويجتمع فيها الوجوه والنبلاء للبحث في شئون القبيلة. (2) دولة سبأ وحمير
هذه الدولة هي من أقدم دول الجنوب العربية، ويكاد المؤرخون الثقاة يجهلون إلى اليوم مبدأ نشوئها، إلا أنهم يجمعون على أن كلمة «سابو» أو «سابوم» الواردة في بعض النقوش السومرية، والتي ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد؛ أي حوالي سنة 2500ق.م، يراد بها دولة سبأ اليمنية،
7
ولكن معلوماتنا عن هذه الدولة وتاريخها وتطورها معلومات لا تكاد تفيد؛ لعدم القيام بالحفريات الدقيقة.
ولعل أقدم فترة يمكننا تأريخها تأريخا صحيحا لهذه الدولة هي فترة «المكارب» جمع «مكرب»، ومعناه «الأمير الكاهن»، فقد سيطر هؤلاء المكارب على ديار سبأ منذ سنة 820ق.م. إلى سنة 115ق.م.
8
وأقدم مكرب عرفنا اسمه هو «المكرب سمه علي ذمر علي» الذي حكم حوالي سنة 820ق.م، ثم خلف من بعده عدة مكارب اختلف المؤرخون في تعدادهم وترتيبهم ومدد ملكهم، وقد بلغ عددهم سبعة عشر، وكانوا يتخذون مدينة صرواح عاصمة لهم.
9
وقد كانوا على جانب عظيم من الرقي الصناعي والزراعي والعمراني والثقافي والسياسي، وإنهم ظلوا يقوون أنفسهم ودولتهم حتى استطاعت ابتلاع دولة معين التي كانت تجاورهم.
وكان نظامهم السياسي نظاميا دينا ومدنيا، وكان لكل مدينة وقرية إلهها، وأعظم آلهتهم اسمه «المقه»، وكانت كتاباتهم على الطريقة الحلزونية
Boustrophedon ؛ أي إنها تبدأ من اليمين إلى الشمال، فإذا انتهى الكاتب من السطر الأول وأراد كتابة السطر الثاني، كتب من الشمال إلى اليمين، وهكذا دواليك. وقد عثر على طائفة من الكتابات الحلزونية المنقوشة على الحجارة والطين أو الجص، وهي ما تزال موضع دراسة العلماء الاختصاصيين. وقد كانت للغتهم السبئية نحو وصرف وبيان رفيع ودقيق، وأجل ما روي عن هذه الدولة هو بناء السدود والقلاع، وأجل سدودها وأعظمها شهرة هو سد مأرب، الدال على براعتهم بعلم الهندسة، وعلم تنظيم الري، وحسن الاستفادة من مياه المطر، وهو من أهم المشروعات العالمية التي قام بها العالم في ذلك الحين، وإنه لثورة في عالم الهندسة والفكر مكنت الإنسان من الاستفادة من الطبيعة، وقد ظل هذا المشروع قرونا عدة مصدر خير ورفاه، ولسنا نجد في التاريخ القديم سوى ممالك قليلة فكرت في مثل هذا المشروع،