تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Atra

قرب تكريت التي قامت منها حضارة عظيمة، ستكشف التنقيبات عن جلائل آثارها.

كما أقام بنو تنوخ دولتين: «إحداهما» في مشارق الشام وجنوبي العراق، وهي دولة جذيمة الأبرش التي قامت على أنقاضها دولة المناذرة اللخميين أملاك الحيرة؛ و«الثانية» في الشام، وهي التي قامت على أنقاضها دولة الغساسنة في منطقة حوران ودمشق.

وقد كان للقبائل الأخرى كبني أسد وتميم وبكر وتغلب وشيبان وقيس وثقيف دويلات أو مشيخات أو إمارات ازدهرت بعض الوقت، ولكن معلوماتنا عنها ما تزال جد ضئيلة، فلعل الزمن يكشف عن حقائق تاريخها.

| حضارات الجنوب

(1) الدولة المعينية

هي أقدم دول العرب في الجنوب، وقد ازدهرت حضارتها في زمن سحيق جدا قبل الميلاد، واختلف العلماء المحققون في تحديد زمان نشوئها، فذهب البروفسور إدوارد كلاسر

Glasser

إلى أنها كانت في الألف الثالث قبل الميلاد،

1

وذهب المستشرقون جوزيف هاليفي

Halevy

ومولر

Müller

وشبرنجر

Sprenger

2

إلى أنها كانت في أواخر الألف الثاني وأوائل الألف الأول قبل الميلاد. وقالفلبي

Philby

إنها حكمت من سنة 112 إلى سنة 63ق.م،

3

وحجة معارضي رأي كلاسر أن الكتابة المعينية كانت ذات ألفباء وهي المعروفة بألفباء المسند، وقد اتفق العلماء على أن الألف باء الفينيقية أو ألفباء رأس الشمرة لا يتجاوز تاريخها القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فكيف يمكن جعل ألفباء المسند أقدم من الألفباء الفينيقية؟ فلا بد إذن من القول إنها قد ظهرت في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، أما قبل ذلك التاريخ فلا يعقل، وهو قول مقبول في رأينا.

وإن أقدم منطقة قامت فيها هذه الحضارة المعينية هي منطقة الجوف التي تقع فيها معظم خرائب المعينيين، وأطلال مدنهم، مثل: «معين» و«براقش» و«قرن» و«نشق» وغيرها.

4

وقد ظلت أخبار هذه الحضارة مجهولة أو كالمجهولة حتى زار ديارها العلماء الآثاريون والنقابون الأوروبيون في القرن الماضي، وفي طليعتهم المستشرق الفرنسي آرنود

Arnaud

الذي زار اليمن، وجمع عدة نقوش من منطقة سبأ في عام 1843، ثم جاء من بعده المستشرق الفرنسي جوزيف هاليفي الذي استطاع أن يدخل اليمن في سنة 1869م ويقوم برحلته المشهورة الهامة، فدخل مناطق الجوف ونجران وسبأ بتكليف من الأكاديمية الفرنسية، واستطاع أن يجمع في زيارته هذه ستمائة وخمسة وثمانين نقشا أثريا من النقوش العربية الجنوبية المكتوبة بالقلم المسند، وكانت رحلته تلك من أعظم الرحلات العلمية؛ لأنه اكتشف في تلك النصوص كثيرا من آثار المدن وأسماء الملوك، وعادات البلاد، وعبادات السكان ... وغير ذلك.

وفي سنة 1882 ذهب إلى اليمن العلامة النمسوي كلاسر، فزار سبأ وظفار، وتوغل في اليمن بمساعدة الحكومة العثمانية، وظل إلى سنة 1892، وجمع نقوشا عديدة صححت بعض أخطاء هاليفي.

ولم تجر بحوث صحيحة، ولا رحلات اكتشاف علمية، بعد هذا التاريخ إلا في سنة 1942، ثم في سنة 1945 حينما زار اليمن العالم المصري محمد توفيق؛ فإنه زارها موفدا من جامعة فؤاد الأول بمصر - جامعة القاهرة اليوم - ودخل بلاد الجوف، فكان أول عالم وصفها وصفا علميا دقيقا، وأعطانا معلومات عن أطلالها وآثارها.

5

والمصادر العربية القديمة تكاد تجهل هذه الدولة وأخبارها، أما المؤرخون والجغرافيون اليونان فقد ذكروا بعض المعلومات الهامة، مثل: سترابون وبلينوس وسربيلوس وبطليموس وديودوروس،

6

أما المعلومات الحقيقية فهي التي اكتشفها المستشرقون المحدثون الذين أسلفنا الحديث عنهم قبلا.

وقد توصل هؤلاء المستشرقون إلى بعض الحقائق التاريخية عن الدولة، وإليك مجمل ذلك: استطاع المؤرخون المستشرقون أن يثبتوا بعض أسماء الملوك المعينيين والسبئيين وأحوالهم السياسية والاجتماعية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يؤرخوا أزمنتهم واحدا بعد واحد، كما أنهم لم يستطيعوا ترتيبهم ترتيبا منتظما متسلسلا. وقد حاول بعض العلماء أن يصنفهم إلى أسر وطبقات فلم يوفق، وأرى أن الوقت لم يحن بعد لتقرير ذلك ولا بد من إتمام الحفريات حتى يستطاع عمل تصنيف عملي صحيح.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٢٤