30
وكان هذا الحادث في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وهؤلاء الإسماعيليون الذين أشارت إليهم التوراة، ثم الذين كانوا قادمين من ديار العرب إلى مصر للتجارة، وأنهم الذين اشتروا يوسف وباعوه بمصر كما هو معروف، وتذكر التوراة أيضا في سفر القضاة بعد هذا الحادث بنحو ستة قرون هؤلاء الإسماعيليين وتسميهم: «بني المشرق»،
31
وتذكرهم بعد ذلك بخمسة قرون في سفر أشعياء باسم «قيدار» بن إسماعيل، وتتنبأ بأن مجدهم سيزول،
32
ومنذ عهد أشعياء تذكر التوراة أن الإسماعيليين قد انقسموا قسمين: «أحدهما» بنو قيدار (قيذر)، والثاني بنو بنيت (بنايوت)، وبعد عهد أشعياء بقرن ونصف، حوالي القرن السادس قبل الميلاد - أي في عهد أرمياء - جاء الملك نبوخذ نصر، واكتسح ديار العرب، وغلب بني إسماعيل (أو بني المشرق)، وقد جاء هذا الجزء في التوراة على سبيل التحذير والوعظ مما أصاب أهل دمشق وحماة وبلاد العرب من النبلاء بسبب عصيانهم «... ارتجت دمشق، والتفتت للهرب، أمسكتها الرعدة، وأخذها الضيق والأوجاع كماخض، كيف لم تترك المدينة الشهيرة قرية فرحى؛ لذلك تسقط شبانها في شوارعها، وتهلك كل رجال الحرب، في ذلك اليوم يقول رب الجنود، وأشعل نارا في سور دمشق فتأكل قصور بن هدد، عن قيدار وعن ممالك صور، التي ضربها نبوخذ نصر ملك بابل، هكذا قال الرب: قوموا اصعدوا إلى قيدار ودمروا أبناء المشرق، إنهم يأخذون أخبيتهم وغنمهم، ويستولون على شققهم وجميع أدواتهم وإبلهم، وينادون عليهم بالخوف من كل جانب.
33
هذا كل ما تذكره التوراة من تاريخ بني إسماعيل، أما المصادر العربية فتنقل ذلك عن التوراة، وتضيف إليه معلومات تناقلها العرب في الجاهلية، وهي معلومات ممزوجة بالأساطير وكثير من الخرافات.
ويظهر أن هؤلاء العرب قد ظلوا بداة، وأن سلطانهم قد امتد من الحجاز إلى اليمن ومشارف الشام، وأنهم جعلوا مكة مقر دولتهم أو مشيختهم لما لها من المكانة القدسية الرفيعة.
ويظهر أنهم قد ضعفوا بعد الغزو البابلي، فإنه قد كان ظالما شديدا، ولا شك في أنهم قد استعادوا استقلالهم بتلك الديار، وتكاثروا وعادوا إلى الظهور قبيل الميلاد المسيحي المجيد، فقد تناقل المؤرخون طرفا من أخبارهم في ذلك الحين، وذكروا بعض قبائلهم بالقوة والمنعة، وامتدوا إلى تهامة ونجد وبلاد الشام، وأصل هذه القبائل هو عدنان، وقد اختلف النسابون في عدد من كان بين إسماعيل وعدنان من الآباء، فبعضهم يعدهم أربعين جدا، وبعضهم يجعلهم عشرين، وبعضهم خمسة عشر، ويقول آخرون إن المدة بين الاثنين هي طويلة؛ فلذلك يصعب ضبط العدد تماما.
34
وقد ولد عدنان أولادا عديدين أشهرهم: معد، وعك، ويقول ابن خلدون: إن معدا عاش أيام نبوخذ نصر (بختنصر)، وإنه خلص إلى حيران حينما هاجم أهل حضورا في اليمن،
35
وأما عدنان والده فلقي بختنصر فيمن اجتمع به أهل «حضورا» وغيرهم بذات عرق، فهزمهم بختنصر، ومات عدنان في أيامه، فلما هلك بختنصر خرج معد من حران إلى مكة، فوجد أخويه وعمومته قد لحقوا بطوائف اليمن وتزوجوا منهم، فرجع بهم إلى بلادهم.
وتذكر المصادر العربية أن معدا قد ولد ثلاثة نفر، وهم: نزار، وقضاعة، وقنص، ويجعلهم بعض المصادر أربعة فيضيف إليهم: إيادا.
36
على أن الأكثرين على أن إيادا هو ابن نزار لا أخوه.
ومن أولاد معد تسلسلت القبائل العدنانية أو النزارية في تهامة ونجد والحجاز ومشارف الشام، وأصلهم القبائل الآتية:
قضاعة:
وأكبر بطونها جهينة، وبلي، وتنوخ، وسليخ.
وإياد:
وأكبر بطونها أفصى، ودعمى، وغاره.
وربيعة:
وأكبر بطونها أسد، وبكر، وتغلب، وحنيفة، وسجل، وشيبان.
ومضر:
وأكبر بطونها قيس، وأسد، وكنانة، وتميم، وثقيف.
قد أقام بنو سليخ الذين نزلوا الشام دولة في بلاد مؤاب من أرض البلقاء، ومن مشاهير ملوكها: النعمان بن عمرو بن مالك، وابنه مالك بن النعمان، وابنه عمرو بن مالك، ولما غلبوا على أمرهم في الشام ارتحلوا إلى العراق، وشادوا دولة الحضر