تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

وهذه أول مرة نجد في الوثائق والآثار التاريخية لفظ: «عربي» أو «عرب» أو «عريبي».

يقول المحقق الدكتور جواد علي في الفصل القيم الذي ذكر فيه صلات العرب بالآشوريين: إن أول إشارة إلى العرب وردت صراحة في النصوص هي الإشارة التي وردت في كتابات الملك سلمناصر (شلم نصر الثالث) ملك آشور، عن معركة قرقر التي وقعت حوالي سنة 853ق.م، فقد قاد هذا الملك في السنة السادسة من حكمه حملة على ملك دمشق الآرامي، وعلى حليفيه آخاب ملك إسرائيل، وجنديبو

Zundibu

جندب ملك عريبي (أريبي) الذي انضم إلى صاحبيه، وقدم إليهما ألف جمل، واشترك في الحرب. انتصر شلم نصر الثالث كما يظهر من كلماته التي سجلها لهذه المناسبة على ملك دمشق وعلى حلفائه، فأحرق ودمر مدينة قرقر ودكها دكا، وأوقع بالجيوش الحليفة خسائر كبيرة، وقد جاء في كتابته ذكر اثني عشر ملكا استقدمهم ملك دمشق لمعونته، وملك دمشق الذي ألف الحلف للوقوف في وجه الآشوريين هو الملك بيرادري

Biridri

المعروف في التوراة باسم بنهدد

Ben Hadad

الثاني، وقد هاله توسع الآشوريين، وتدخلهم في شئون الممالك الصغيرة والمشيخات، ودخولهم مملكة حلب التي خشيت المصير السيئ الذي لاقته المدن والممالك التي قاومت جيوش شلم نصر الثالث؛ فقررت الإذعان للأمر الواقع وتأدية الجزية والاعتراف بسيادة آشور عليها، فعزم على الوقوف أمام الآشوريين، وتأليف حلف من الملوك السوريين ومشايخ البادية؛ لدرء هذا الخطر الداهم من اثني عشر ملكا من ملوك سوريا إليه، وهم في الواقع مشايخ إقطاعيون وأمراء مدن انضم إليهم ملك حماة الذي جثم الخطر أمام مملكته، وأحآب ملك إسرائيل، وأمراء الفينيقيين ومشايخهم، وجندب ملك العرب الذي أمن الحلف بألف جمل؛ فأغرقت هذه القوة سبيل الآشوريين ... أما النصر فكان حليف شلم نصر، انتصر عليهم على حد روايته بسهولة ويسر، وأوقع فيهم 140000 إصابة أو 25500 على رواية أخرى، وغنم منهم غنائم كثيرة، وتفرق الشمل ...

تبين من كتابة سلم نصر هذه أن الملك أحرز انتصارا باهرا حاسما على الحلفاء، وأنه أوقع بينهم خسائر جسيمة، غير أن أخبار الحروب التي قام بها فيما بعد على سوريا ومقاومة «بنهدد» له مرارا، كل هذه لا تؤيد أقوال ملك آشور في جسامة الخسائر وفي النصر الحاسم العظيم على الآراميين ومن انضم إليهم من مشيخات ورؤساء، وعلى المؤرخ الحديث ألا يثق بهذه الأرقام والكتابات التي يسجلها الملوك عامة عن انتصاراتهم وأعمالهم، فقد عودنا الملوك تدوين المبالغات والزيادات في أخبارهم، والغض من تدوين أخبار الانتكاسات أو الهزائم التي تقع بهم ... و«جنديبو» الذي ملك دمشق وحلفاءه بألف جمل هو أول ملك «عربي» يصل إلينا خبره، وجنديبو هو «جندب»، وجندب من الأسماء المعروفة عند الإسلاميين، ومهما يكن من أمر فإن جندبا هذا كان من الملوك الأقوياء الذين شادوا ملكا في الجنوب الشرقي من مملكة دمشق على ما يحدثنا به المؤرخ موزيل النمسوي الذي جاب البادية العربية، واتصل بأعرابها اتصالا قويا، وعرف أخبارهم، وأخبار ديارهم، وعرف بينهم باسمه الشيخ موسى الرويلي؛ لأنه أقام طويلا في قبائل الرولة، فعرف بهم ...

15

ولم يكن جندب هذا هو الملك «العربي» الوحيد الذي ورد اسمه في الحملات التي قام بها الملوك الآشوريون على الشام، وإنما هناك اسم لملكة عربية تسميها المصادر القديمة زبيبى (زبيبه)، وإنها كانت ملكة أرض «عريبي»، وإنها اضطرت أن تدفع الجزية أيضا للملك «تكلات بيلاسر الثالث» لما زحف إلى سوريا في سنة 738ق.م. كما نجد اسم ملكة عربية أخرى اسمها «شمسة» في تسجيل زحفه على سوريا في سنة 732ق.م، وإن هذه الملكة قد عوقبت عقابا شديدا من قبل الآشوريين؛ لأنها حنثت بيمينها ألا تتعرض للآشوريين، ولكنها حنثت، وكفرت بالعهد الذي قطعته على نفسها، فاستولى الملك الآشوري على ديارها، وأخذ منها الجزية، وأقام في ديارها مندوبا عنه الأمير كيبو

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٢٠