تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

ولكن معلوماتنا - مع الأسف الشديد - عن هؤلاء القوم جد قليلة، فإن النقوش الكثيرة التي اكتشفت لا تدلنا مع أهميتها على أحوالهم السياسية، وإنما تدل على أحوالهم الشخصية والدينية والاقتصادية واللغوية، وقد قسم علماء الآثار هذه الآثار المكتوبة بالقلم الثمودي إلى قسمين:

الأول:

المكتوب باللسان الثمودي القديم.

والثاني:

المكتوب باللسان الثمودي الحديث.

وقد درس علماء المشرقيات هذه اللغة دراسة دقيقة، وأثبتوا أنها كانت لغة رفيعة في نحوها وصرفها وآدابها، وأنها كانت متناشرة بالخطين المسند الجنوبي، والآرامي الشمالي،

10

وقد كان الثموديون خلفاء لقوم عاد الذين سكنوا ديارهم، وضاعت عنا تفصيلات أخبارهم، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، وقال إن الله سبحانه قد أحل الثموديين محل قوم عاد لما طغوا وعبدوا الأصنام، وخرجوا عن طاعة الله، واستبدوا فبوأهم وأعزهم حتى بلغوا درجة رفيعة في الحضارة، وشيدوا القصور في السهول، ونحتوها في الجبال.

وقد عبد الثموديون الأصنام وألهوها، ومن أصنامهم المشهورة «ود» الذي أشار إليه القرآن الكريم، وقد كانت له مكانة رفيعة عند جميع قبائل العرب الشمالية والجنوبية، والظاهر أنه كان من الآلهة القديمة جدا، ولعله كان من آلهة العرب العظمى في الألف الثاني قبل الميلاد، وذهب المستشرق الألماني البروفسور هومل إلى أنه هو الإله «هدد» أو «أدد» الذي عبد في الشمال أيضا، وأنه هو القمر، وقد ظل هذا معبودا إلى ما بعد ظهور الإسلام عند العرب الجاهلية حتى حطمه الإسلام، ومن أصنامهم أيضا الإلهة «شمس» التي كانوا يعبدونها، وقد كانت معبودة أيضا في الشمال عند البابليين، وفي الجنوب عند اليمنيين، ومن أصنامهم أيضا الآلهة «مناف» و«مناة» و«كاهل» و«بعلت» و«يهو».

11

والحضارة الثمودية حضارة تتجلى اليوم أكثر ما تتجلى في آثارها الكتابية وخطوطها، وبخاصة الخط المتأثر بالخطين المسند والآرامي، أما عدا الآثار الكتابية وبعض الآثار العمرانية فإنها تكاد تكون مجهولة حتى الآن.

وقد خلفوا مدنا خالدة، أجلها «الحجر»، وهي مدينة عظيمة جنوبي مدينة تيماء، وعلى بعد يوم من وادي القرى، ويقال لها اليوم: «الخريبة» و«فج الناقة»، وهي التي يسميها بطليموس بدنتا

Badanta ، ولما احتل سرجون الثاني بلاد العرب في سنة 715ق.م. احتلها وأراد تهديمها، ولكنه لم يتمكن، ثم تركها بعد أن جلا عن البلاد العربية جمعاء.

وقد ظل الثموديون معروفين إلى القرن الخامس للميلاد، فقد ورد في بعض المصادر التاريخية الرومانية أن الجيش الروماني في هذا القرن كان يحتوي على فرقة عرفت باسم الثموديين، وأنها كانت من سكان تلك المدينة.

12

وصفوة القول أن تاريخ ثمود ما يزال بعد غامضا، ولكن التنقيبات الأثرية المستقبلة تكشف لنا عن الكنوز المدفونة المجهولة عن تاريخهم. (3) المملكة الجنوبية

قامت المملكة في فجر القرن التاسع قبل الميلاد جنوبي شرقي دمشق، ولا نكاد نعرف شيئا مفصلا حقيقيا عن هذه المملكة ولا عن أحوالها السياسية، وإنما تذكر المصادر التاريخية أن ملك آشور «شلم نصر» لما زحف إلى سوريا وأراد احتلالها، تجمع ملوكها وأمراؤها بزعامة الملك بر أردي

13 «بن هدد» الثاني ملك دمشق الآرامي؛ للوقوف في وجه الملك الآشوري، وكان من بين هؤلاء الملوك «جنديبو ملك عريبي»؛ أي جنوب ملك العرب، ولما انتصر «شلم نصر» على خصومه هؤلاء، ودمر ديار الشام وبخاصة مدينة قرقر الواقعة شمالي حماة؛ سجل هذا الانتصار، وصار في ذلك التسجيل ذكر اسم اثني عشر ملكا كان ملك دمشق الآرامي استغاث بهم لنصرته على شلم نصر، وكان من بينهم ابن «جنديبو»، ولكن الملك «بن هدد» لم يستكن للآشوريين، وظل يقاومهم حتى غلبهم، واستطاعوا أن يحتلوا سوريا ثانية في عهد «تكلات بيلاسر الأول» 745-727ق.م،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ١٩